وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة محمد الشريف مساعديّة– سوق أهراس- كليّة العلوم الاجتماعية والإنسانية قسم العلوم الاجتماعية مطبوعة جامعيّة موجّهة لطلبة سنة ثانية ماستر -علم اجتماع التربية محاضرات في المادة التعليميةالتربية والتكوين في الجزائر برنامج المادة التعليمية حسب عرض التكوين أولا: التربية والتعليم في الجزائر في عهد العثمانين؛ ثانيا: التربية والتعليم في الجزائر في عهد الاحتلال الفرنسي؛ ثالثا: وضعية التعليم في الجزائر غداة الاستقلال؛ رابعا: الإصلاحات التربوية في الجزائر : 1- إصلاحات التعليم ما قبل الجامعي ؛ أ- أمرية 16 أفريل 1976 والتعليم الأساسي في الجزائر؛ ب- المجلس الأعلى للتربية ؛ ج- اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية . 2- إصلاحات التعليم الجامعي ؛ 3- الإصلاح التربوي والتغير الاجتماعي في الجزائر . التربية والتعليم في الجزائر قبل الحكم العثماني أولا: التربية والتعليم في الجزائر قبل الحكم العثماني: يجدر بنا قبل الإسهاب في تناول محاور المادة التعليمية، و نظرا لإمتداد تاريخ الجزائر لألالف السنين و استحالة الإلمام بمضامينه فيما يخص محتوى المادة ، فإننا نكتفي بالإحاطة و الإنطلاق من الفترة التي سبقت الحكم العثماني للجزائر وفق التسلسل التالي : 1- التربية في العهد الرستمي: ينتمي الرستميون أو بنو رستم إلى المذهب الإباضي، حكموا المغرب الأوسط بين 766 و909م ، كان مقر دولتهم : مدينة تاهرت أو ما يُعرف حاليا ب :تيارت تقع في الغرب الجزائري، حيث انتشر آنذاك المذهب الإباضي كذلك في جبل نفوسة- ليبيا- وبعض مناطق المغرب، لتنشأ الدولة الرستميّة حينها. تُعرف الحياة في شمال إفريقيا عموما منذ أزمنة بعيدة بطابعها شبه الصحراوي حيث تتصل التلّال بالصحراء فسادت آنذاك حياة أهلها الترحال وسكن الخيام وتربية المواشي والتجارة في البرّ، إلّا أنّ بوادر قيام الدولة قد رافقها نشاط بناء المساجد و العمران وبيوت الأموال و السواق، والاهتمام بالتجارة والزراعة والصناعة: كالحدادة والدباغة وصناعة السفن والقوارب...أين أضحت تلك المنطقة من أكبر الدول حضارةً في ذلك الوقت، وأدى هذا الازدهار إلى جعلها محط أنظار التجار والعلماء والمثقفون.[ The Editors of Encyclopaedia Britannica : "Rustamid kingdom", www.britannica.com, Retrieved 23-6-2018. Edited ] اهتمت الدولة الرستمية بإنشاء المكتبات العلمية الزاخرة بمختلف فنون العلم والآثار ، ومن مكتباتها المشهورة مكتبة المعصوم ، التي كانت تحتوي على آلالاف من المجلدات والكتب قدرها بعض الباحثين بثلاثمائة ألف مجلد ، فكانت تضم بين رفوفها كتبا في علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وتوحيد ، وكتبا في الطب والرياضيات والهندسة والفلك والتاريخ واللغة وغيرها من العلوم المختلفة ، ولم تكن كتبها مقتصرة على مذهب بعينه بل كانت تجمع مؤلفات لمختلف المذاهب الإسلامية ، و لم تخلُ كذلك منازل العلماء في الدولة الرستمية آنذاك من مكتبات خاصة . و بالموازاة مع ذلك فقد واكبت هذه النهضة العلمية نهضة في مجال التأليف ، فقدم أئمتها وعلماؤها للأمة الكثير من المؤلفات في مختلف فنون العلم سواء الدينية أو الدنيوية ، و قد برع أئمة الدولة الرستمية في التأليف و التوثيق من أمثال: الإمام عبد الرحمن الذي ألف كتابا في التفسير ، وكتابا جمع فيه خطبه أما الإمام عبد الوهاب فألف كتابا يعرف بـ مسائل نفوسة الجبل بينما ساهم الإمام أفلح بكثير من المؤلفات والرسائل العلمية منها المطبوهة أو المخطوطة ،أما الإمام أبو اليقظان فكان من المكثرين في التأليف ومن مؤلفاته رسالة في خلق القرآن وغيرها من المؤلفات ، هذا بالنسبة لأئمة الدولة الرستمية ، وأما علماؤها فحدث عنهم في مجال التأليف بلا حرج. و لم تتوانى الدولة الرستمية كذلك بالإهتمام بالعلوم العقلية كعلم الكلام وغيره ، فكانت تجرى بين العلماء من مختلف المذاهب الإسلامية والتيارات الفكرية المناظرات والمناقشات العلمية بحرية تامة وبلا تضييق ،بحكم التعايش الذي ساد الدولة الرستمية فمارس في كنفها الكثير من إتباع المذاهب الإسلامية شعائرهم :كالإباضية والمعتزلة والصفرية والحنفية والمالكية والشيعة وغيرهم ، بل كان هنالك لليهود والنصارى تواجد أيضا. وكانت الدولة الرستمية دولة يُجلّ فيها العلم والمعرفة، ، وتُفتح لهما المدارس و المجالس ، وتنشرهما في كل الطبقات بكل الوسائل والأسباب. وكانت المدارس الابتدائية موصولة بكل مسجد بحكم حيازة كل من التعليم الإسلامي وتعليم القرآن خصوصا مقاما كبير داخل المجتمع فعمت دور تعليم و تدارس القرآن كل أحياء الدولة و مداشرها ، فتعلم الصبيان القراءة والكتابة و الإطلاع على مبادئ اللغة لعربية، وتحفيظهم القرآن والحديث، وتعليمهم ما لا يسع جهله من الشريعة الإسلامية، وما يجب أن يعرفه كل فرد آنذاك عن الدّين لأنه الأساس الذي تنبني عليه حياته، والدستور الذي يُنير طريقه، ويوجه سلوكه، و يصقل علاقته بالناس. حيث دأبت المدارس الابتدائية على تعليم الحفظة مبادئ الإحسان والتأخي بالخصوص تلقينهم سيرة سيدنا محمد “ صلى الله عليه و سلم " وتاريخ الخلفاء الراشدون وأئمة الدين و العلم و التابعين ،الذين كانوا أئمة عصرهم وخلفاء الصحابة في المعرفة والتقوى في الورع والجهاد ومحاربة الظلم والاستبداد مع الحرص على تلقين النشأ كذلك تاريخ وطنهم و سيرة أجدادهم و تحضيرهم للاعتداد بالنفس و موعظة بالغة وتذكرة حسنة2. 2- التربية في عهد الأغالبة: يعود نسب الأغالبة أو بنو الأغلب -كما تسميهم بعض الكُتبِ التَّاريخيَّة-، لأصل عربي من قبيلة تميم، وهم من بني العنبر بن عمرو الذين يرجعون في النَّسبِ إلى قبيلة تميم العربية التي كانت في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، حكم الأغالبة شمال افريقيا في منطقة شرق الجزائر وغرب ليبيا إضافة إلى تونس، كما سيطروا على جزر صقلية ومالطا ووصلوا إلى جنوب إيطاليا وحكموا سردينيا وكورسيكا، وقد استمرَّ حكم الأغالبة من: عام 800م حتَّى عام 909م. عرفت الحركة التربوية والفكرية خلال حكم الأغالبة ازدهارًا كبيرًا، فقد كانت عاصمة دولتهم "القيروان" قطبًا ثقافيًا مشعًا برز فيه أعلام لهم مكانتهم وعلى رأسهم قاض القيروان وفاتح صقلية أسد بن الفرات الذي جمع بين العلم والقضاء والجهاد في سبيل الله، والإمام سحنون بن سعيد الذي كان من أشهر فقهاء المالكية بالمغرب العربي.[ الصادق مازيغ : "تاريخ الأغالبة"، مجلة المباحث، عدد 18-20، تونس، 1945.] ومن أوجه ازدهار الثقافة في تلك الفترة في "إفريقية"، تأسيس "بيت الحكمة" بمدينة رقادة القريبة من القيروان سنة 878 ميلادي وهي أول "جامعة علمية" في إفريقية والمغرب، تولى فيها التدريس عدد من العلماء المشهورين مثل الأديب الشاعر بن الصائغ والطبيب اسحاق بن عمران وأحمد بن الجزار صاحب كتاب "زاد المسافر"، وقد كانت دار الحكمة من أرقى مدارس العصر، يُدرس فیها العلم على اختلافه من النقل و العقل ، ومنها كانت تتخرج النخب في تلك البلاد مثلها مثل مدينة طنجة وبسكرة لدورها الرائد في نشر العلم والآداب والتثفيف.[ أحمد توفیق المدني :” هذه هي الجزائر”،دار النهضة المصریة، دون سنة، مصر ، ص : 76.] فقد ساهمت "بيت الحكمة" التي تاسست في فترة حكم "إبراهيم الثاني الأغلبي" في ترجمة العديد من المؤلفات اللاتينية واليونانية إلى العربية ونسخ المصنفات، فقد دُشنت هذه المكتبة محاكاة لبيت الحكمة التي أسسها هارون الرشيد في بغداد حيث كانت هذه البيت نواة لمدرسة الطب القيروانية ،التي أثرت في الحركة العلمية في المغرب العربي عموما لزمن طويل. وقد استقدم إبراهيم بن أحمد الأغلبي أعدادًا كبيرة من علماء الفلك والطب والنبات والهندسة والرياضيات من المشرق والمغرب وزود تلك الدور بالآلات الفلكية. وكان يُرسل إبراهيم بن أحمد في كل عام (أحيانا كل ستة أشهر) بعثة إلى بغداد هدفها تجديد ولاءه للخلافة العباسية واقتناء نفائس الكتب المشرقية في الحكمة والفلك واستقدام مشاهير العلماء من العراق ومصر.[ محمود إسماعيل :” الأغالبة- سياستهم الخارجية”، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر ،1972، ص: 128.] و قد ساهم "بيت الحكمة" كما أسلفنا كذلك في ترجمة العديد من المؤلفات اللاتينية واليونانية إلى العربية ونسخ المصنفات، فضلاً عن تنظيم المناظرات ونشر علوم الطب والفلسفة والفلك. وكان يتولى الإشراف على كل تلك الأنشطة: حفظة تكمن مهمتهم في السهر على ضمان ما تحتويه من كتب وتزويدها للباحثين والمرتدين من طلبة العلم و المعرفة بما يمكنهم من النهل من هذه الكتب بحسب تخصصاتهم، و يتولى رئاسة هؤلاء الحفظة ناظر كان يعرف بصاحب بيت الحكمة. وأول من تولى هذا المنصب عالم الرياضيات أبو اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني الكاتب المعروف بأبي اليسر الرياضي5. 3- التربية في العهد الفاطمي: تُعد الدولة الفاطمية من إحدى دُولِ الخِلافةُ الإسلاميَّة، والوحيدةُ بين دُولِ الخِلافةِ التي اتخذت من المذهب الشيعي (ضمن فرعه الإسماعيلي) مذهبًا رسميًّا لها. فقامت هذه الدولة على أساس دعوة التيار الدعوي الإسماعيلي في إذكاء الجذوة الحُسينيَّة و تحريض الناس على القتال باسم الإمام المهديّ المُنتظر، الذين تنبؤوا بظُهوره في القريب العاجل[ الطالبيّ مُحمَّد:” تعريب المُنجي الصيَّادي- الدولة الأغلبيَّة - التاريخ السياسي: 184-296هـ \ 800-909م” ، ط2 ، دار الغرب الاسلامي ،بيروت - لُبنان، ص: 643.] ومن أشهر مدارس العهد الفاطمي تلك التي أسسها الحاكم بأمر الله :مدرسة (دار العلم) و عُرفت (بدار الحكمة)، و خُصص لها مدرسين و أُلحقت بها فيما بعد بقليل مكتبة، وكانت تقليدًا لما قام به المأمون في بغداد حيث بلغ عددها 20 مدرسة، و ناهزها إلى 25 في العهد الأيوبي. وشهدت الدولة الفاطمية في عهد حكامها حركة ونشاطا كبيرين في مجال العلم والمعرفة، وذلك بفضل تشجيع الخلفاء والسلاطين لرجال العلم والأدب، فنشطت الحركة الفكرية، واحتضن بلاط الدولة العديد من العلماء والشعراء والكتّاب، وزاد من هذا الاهتمام إنشاء دار الحكمة على يد الحاكم بأمر الله في القاهرة ،الذي أولى عنايته الخاصّة بها، وأرادها أن تكون مؤسّسة علمية تضاهي بيت الحكمة في بغداد. فقد جاء في الموسوعة البريطانية : تاسيس الحاكم بامر الله دار الحكمة سنة 395ه، وألحق بها عددا من علماء الفقه والتفسير فضلا عن العلوم الطبيعية والرياضية، كما أنشئت لدار العلم مكتبة، فكانت متّصلة بدار الحكمة تمدّها بالمؤلفات الكثيرة، التي تُطلع الناس على أنواع المعرفة وتساعد الكتّاب على البحث والتأليف..."[ الموسوعة البريطانية، مجلد 9، ص : 1538] أ- المساجد: كانت المساجد ميداناً يتبارى فيه العلماء، وخاصة فقهاء المذهب الشيعي، الذين كان عليهم أن يحاضروا الناس في عقائد المذهب الإسماعيلي، وكان بعض الوزراء والقضاة يشتركون في تأليف الكتب في الفقه الشيعي. ب- الأزهر: وإن بدأ كغيره مسجداً تؤدى فيه الشعائر الدينية، إلا أنه ما لبث أن أصبح في عهد العزيز جامعة يلتقي فيها طلاب العلم من كل حدب وصوب و في مختلف العلوم والفنون. ج- قصور الوزراء: كان ابن كلس يجمع في قصره عددا كبيراً من الموظفين. يشتغل بعضهم بنسخ الكتب، وفي مقدمها القرآن الكريم، وكتب الحديث، والفقه والأدب، وبعض كتب العلوم والطب. كما عين في قصره مجموعة من القراء والأئمة، ووكل إليهم إقامة الصلاة في المسجد الملحق بقصره. د- المكتبات: كان الخلفاء الفاطميين ذوي شغف بتشجيع كل من يميل إلى عقائد المذهب الشيعي، وكانت المكتبة الملحقة بقصر الخلفاء الفاطميين، ذات شهرة واسعة في العالم الإسلامي. ه- دار الحكمة: أُسست في سنة 395 ه على يد الحاكم بأمر الله وأُلحق بها عدداً من أساتذة علوم الفقه والتفسير و العلوم الطبيعية والعقلية. و- مكتبة دار العلم: كانت متصلة هي بدورها بمكتبة دار الحكمة، التي كانت تمدها بكثير من المؤلفات حيث كان يُسمح للناس باقتناء ما يحتاجون إليه من المداد والأوراق. وكانت تقام المناظرات بين العلماء، وكان يحضرها الحاكم فيغدق عليهم بالهبات و الهدايا. 4- التربية في عهد الحماديين: حكم الحماديون أو بنو حماد من سلالة صنهاجية الجزائر ما بين 1014 إلى 1152،و تُعد الدولة الحمادیة أول دولة بربریة بالمغرب الأوسط، وكانت مستقلة استقلالا تاما عن مركز الخلافة العباسیة ببغداد، أسسها حماد ابن زیري الصنهاجي وامتدت دولته من فاس إلى تلمسان ووهران وكان في صراع دائم مع قبیلة زناتة وحقق عدد من الانتصارات علیهم.[ مبارك بن محمد المیلي :” تاریخ الجزائر في القدیم والحدیث”،الجزء 2،المؤسسة الوطنیة للكتاب،الجزائر، ص : 230.] وتعتبر القلعة الحمادية من الأماكن التي كانت عامرةً طوال الوقت بالكتاتيب، تضمن دوراتٌ تعليميةٌ للصبيان، ومن أشهر معلمي الكتاتيب أبو حفص العديري، أما في المدن الكبرى الأخرى فكان هناك دور للتعليم الجامعي بالأخص في مدينة بجاية، حيث أنشأ الناصر معهداً للتعليم العالي يُسمى معهد سيدي التواتي، وضمّ 3000 طالبٍ، وكانت تُدرس فيه كلّ المواد بما فيها العلوم الفلكية، و كان في جامع المنار الموجود في القلعة مكتبةٌ تحتوي على عدد كبير من الكتب من كافة أرجاء المغرب، وكان يأمها كثير من المحاضرين من المعهد و من جامعة سيدي التواتي و من علماء الأندلس، وعلماء أفريقيا والشرق وخصوصاً في عهد العزيز. 5- التربية في عهد المرابطين: الدولة المرابطية أو ما يسمية بعض المؤرخون "رجال الرباط" les gens du ribāt[ Samuel Pickens& Françoise Peuriot & Philippe Ploquin:’’ Maroc: les cités impériales : Fès, Marrakech, Meknès, Rabat-Salé’’, www.acr-edition.com, 1995, p :311] هي دولة إسلامية ظهرت خلال القرن الخامس والسادس الهجري في منطقة شمال افريقيا بين السينغال والمغرب[ Ch.-André Julien :’’ Histoire de l'Afrique du Nord’’ ; publié par Payot,France; 1966. p: 77.]، انبثقت من حركة دعوية إصلاحية إسلامية اعتمدت في بدايتها على العصبية الصنهاجية بعد التحام عدد من قبائلها الكبيرة، ثمّ تحول هذا الالتحام إلى سند شعبي ما لبث بدوره أن تحول إلى سند عسكري أفضى في النهاية إلى نشوء قوة إقليمية اقتصادية لسيطرة تلك القبائل على عدد من الطرق التجارية اهتم المرابطون بالتعليم ونشره منذ اللحظة الأولى التي ارتبطوا بها بدعوة عبد الله بن ياسين، وأخذوا يقبلون على الكتاتيب والمدارس في شغف، واعتنوا بنشرها في أنحاء المغرب، وليس أدل على ذلك من أن ابن تومرت قبل سفره للمشرق حفظه للقرآن الكريم و تجويده و قد ألمّ بالموازاة عن ذلك بقدر من علوم الدين واللغة بمسجد قريته إيجلي الواقعة بجبال الأطلس ببلاد سوس، ما يدل على انتشار معاهد العلم، و قد شارك علماء الأندلس في بناء التراث التربوي ولهم آراء في التربية والتعليم وتناولت دراستهم استخدام التجارب والمشاهدة والملاحظة والاستنتاج والاستقراء[ عدنان سعد الدين:"طرق التعليم الإسلامي وأساليبه" ،مجلة منار الإسلام، عدد 5، السنة الثالثة/مايو 1978 ، ص: 81.] وعندما احتك المرابطون بحضارة الأندلس، تفتحت أمامهم آفاق جديدة في العلم ، وبدأوا يتعلمون من الأندلسيين الذين عرفوا بحبهم للعلم وشغفهم الكبير بالتعلم، فاهتموا بتربية وتعليم أبنائهم منذ الصغر، ولم يكن التعليم مقصورا على الأولاد، بل شمل البنات أيضا، وشاع في بلاد الأندلس كغيرها من بقاع العالم الإسلامي العلم والتعليم على أوسع نطاق حتى أن الدارس والمؤرخ النزيه يندهش حينما يعلم أن الأندلس عاشت في تلك العصور بعيدة عن الأمية.[ جودة هلال ومحمد محمود صبح :” قرطبة في التاريخ الأندلسي”، المؤسسة المصرية العامة القاهرة،مصر ، 1962، ص: 87:.] ولم يطرأ أي تغيير على النظام الذي كان معمولا به قبل، إذ كانوا يرسلون أبناءهم إلى الكتاب الذي يسمونه بالمحضرة، أو الحضارة أو المسيد، لحضور التلاميذ إليه ولكونه يحضرهم ويهيئهم للتعليم المتوسط أو العالي، وكلمة المحضرة أو الحضارة مازالت مستعملة إلى اليوم. إضطلعت المؤسسات اآنذاك بنشر العلم والثقافة في ربوع الأندلس خلال تلك الحقبة على غرار الكتاتيب والمساجد والرباطات والمكتبات.، كما عرفت تلك الفترة بالتدرج في تلقي العلوم، حبذها ابن خلدون كطريقة تربوية ،إذ يقول " أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج شيئا فشيئا وقليلا فقليلا"[ جودت الركابي :” في الأدب الأندلسي”،ط2، دار المعارف، بمصر، 1970، ص :66.] 6- التربية في عهد الموحدين: تُعتبر دولة الموحدين دولة إسلامية أسسها الموحدون (الذين يعلنون الوحدة الإلهية) بنو عبد المؤمن [ Sadik Yalsizuçanlar:’’ Itinéraires d'un soufi’’: Récits d'Ibn'Arabî, Editions du Cerf, 2016 , p: 57.] وهم من سلالة أمازيغية من مجموعة مصمودة المرتبطة بشلح المغرب الحديث[ Encyclopédie Larousse, Almohades]، حكمت بلاد المغرب (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) والأندلس سنوات 1121م - 1269م أسسها أتباع حركة محمد بن تومرت واستطاع عبد المؤمن بن علي الكومي (1130م / 1133م - 1163م) أن يستحوذ على المغرب الأقصى (سقوط مراكش عام 1147م) والمغرب الأوسط ومن ثم على كامل إفريقية (حتى تونس وليبيا عام 1160م) والأندلس (1146م - 1154م). عاصمتها مراكش. وكانت إشبيلية مقر الوالي الموحدي على الأندلس. كان من الطبيعي أن تحتاج عقائد ابن تومرت ،أو إصلاحه الديني إلى مؤسسات تعليمية لنشرها بين طبقات الشعب ،لذلك اهتم الخلفاء الموحدين بإنشاء هذه المؤسسة في جميع أنحاء الدولة[ الطاهر محمد توات :”مرجع سابق”،ص :11. ] ، لذلك أسس الخلفاء الموحدون المعاهد والمدارس للتعليم بمراكش وفاس و في باقي مدن المملكة حرصا منهم على التعلم والتثقيف لكل شرائح المجتمع، وبسَّطوا المساطر لكل من أراد ولوج هذه المعاهد والمؤسسات التعليمية للنهل منها والجلوس إلى علمائها الراسخين في العلم المبرَّزين في التعليم والتربية، ولقد حرص الموحدون على استجلاب العلماء إلى حضرتهم وحشدهم، سواء في بلاطهم أو في المعاهد من أهل كل فن من فنون المعرفة وخاصة أهل علم النظر منهم؛ حيث كانوا يدققون في اختيار العلماء المدرسين واختبار كفاءتهم ومدى تمكنهم وتوسع مداركهم ومشاربهم. ومن مظاهر رعاية الدولة الموحدية للعلم والعلوم المختلفة تلك المجالس العلمية أو المجامع العلمية التي كان يعقدها خلفاء وأمراء وولاة الموحدين، ويدعى إليها علماء فطاحلة كبار في مختلف العلوم من المغرب والأندلس، وكان هذا الطالب لا يسمح له بحضور هذه المجالس إلا بعد أن ينظم له امتحان في العلم الذي يجيده لتحقق من مستواه العلمي، وتتميز هذه المجامع العلمية التي كان يعقدها خلفاء الموحدين بكونها كانت حافلة بالمذاكرة، والمناظرة في أنواع العلوم بين علماء وأدباء، وأطباء وفلاسفة، وكانت هذه المناظرات تفتتح بإلقاء مسألة من العلم يلقيها الخليفة بنفسه، أو يلقيها بعد إذنه بعض الحاضرين في هذه المجالس العلمية؛ كما كانت هناك مجالس الأمراء كمجالس الأمير يحيى بن يوسف بن عبد المؤمن التي كان يحضرها جهابذة العلماء كعبد الواحد المراكشي صاحب كتاب "المعجب" المؤرخ الذائع الصيت. 7-التربية في عهد الزيانيين: الزيانيون أو بنو زيان ، بنو عبد الواد، هم سلالة بربرية حكمت في غرب الجزائر في الفترة الممتدة ما بين ( 1230-1554 ) و يرجع أصلهم – بنو عبد الواد أو بنو زيان – إلى قبيلة زناتة البربرية التي استقرت شمال الصحراء الكبرى ثم هاجرت في حدود القرن الحادي عشر إلى شمال أفريقيا أين أصبحوا من أنصار الموحدين . فنقلت إليهم الدولة الموحدية إدارة مدينة تلمسان ، وبعد سقوط الدولة الموحدية استقل أبو يحيى يغمراسن بن زيان بالحكم لمدة 47 سنة تمكـن خـلالها مـن وضـع قواعـد و أسـس لدولـة قويـة.سـواء في عهـده أو مـن بعـده. ويُعد اهتمام السلطة الزيانية بالتعليم[ عبد الحميد حاجيات :” تلمسان مركز الإشعاع الثقافي في المغرب الأوسط”، مجلة الحضارة الإسلامية، عدد خاص بالمراكز الثقافية في المغرب، وهران، الجزائر ، ص : 319.] ومؤسساته من أهم الأمور التي توارثها سلاطين البيت الزياني، لذلك جاء ظهور المدرسة بتلمسان ضمن جملة اهتمامات السلطة السابقة والمتعاقبة على الحُكم بشكل عام في الميدان الثقافي قبل القرن الثامن الهجري، كما سعى بنو زيان من وراء بناء المدارس في مختلف مدن المغرب الأوسط إلى نشر التّعليم والثقافة من جِهة، و توجيه الرعية من أجل وحدة السياسة المذهبية التي كانوا يسيرون عليها و المتمثلة في نصرة المذهب المالكي من جهة أخرى، لذا كانت المدارس إحدى الوسائل لتحقيق هذه الغاية.[ عبد العزيز فيلالي:” تلمسان في العهد الزياني”، ج2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعية، الجزائر ، 2002 ، ص :326] و نتيجة لهذا تأسّست عدّة مدارس في المغرب الأوسط[ حسن الوزان :” وصف إفريقيا”، ترجمة، محمّد حجي و محمد الأخضر، ، ج2، الشركة المغربيّة للناشرين المتحدين و دار الغرب الإسلامي، بيروت ، لبنان ، 1983 ، ص ص : 19 – 30.]، حملت على عاتقها لواء نشر التّعليم في أرجائه و من أهمها:///// أ- مدرسة ابني الإمام: هي أوّل مدرسة أسّسها السُلطان الزياني أبو حمو موسى الأوّل بالمغرب الأوسط في مدينة تلمسان، و عيّن للتّدريس فيها ابني الإمام أبي زيد عبد الرّحمن (ت 743ﻫ/1342م) و أبي موسى عيسى (ت 749ﻫ/1349م) فصارت تُعرفُ باِسمها. كما عُرفت أيضًا باِسم المدرسة القديمة. و كان موقعها بالقُربِ من باب كشوطة غرب مدينة تلمسان[ يحي بن خلدون :” بغية الرواد”، ج 1، المكتبة الوطنية، الجزائر ،1981، ص :130.]. ب- المدرسة التاشفنيّة: هي أهم مدرسة بالمغرب الأوسط، أسّسها السُلطان أبو تاشفين عبد الرحمن الأوّل لفائدة العالم الكبير أبي موسى عمران المشّدالي الزواوي (ت 745ﻫ/1345م) أعْرَفَ أهل عصره بمذهب الإمام مالك[ عبد الحميد حاجيات :” أبو حمو موسى الثاني وحياته وآثاره”، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1983، ص: 161.]، و جهّز أبو تاشفين لبنائها أمهر البنائين، و كان يوم اِفتتاحها يومًا مشهودًا حضره السُلطان و أعيان و مشايخ تلمسان و أُدبائها. و ظلّت هذه المدرسة تؤدّي وظيفتها التعليميّة طيلة العهد الزياني، إلى أن هُدّمت عام 1875م، من قِبل سُلطات الإحتلال الفرنسي. ج- المدرسة اليعقوبيّة: شيّد هذه المدرسة السُلطان أبو حمو موسى الثاني، و سمّاها اليعقوبيّة تخليدًا لذكرى والده أبي يعقوب يوسف، الّذي كان حاكمًا بمدينة الجزائر و المتوفّى سنة 763ﻫ/1362م، و دام بناؤها حوالي سنة و نصف، و عُيّن للتدريس فيها العالم الجليل أبو عبد الله الشريف (ت 771ﻫ/1370م). كما أسّس إلى جانبها زاوية و مقبرة مخصّصة لآل زيان. أ- مدرسة سيدي أبي مدين شعيب: أنشأ هذه المدرسة السُلطان المريني أبو الحسن عام 737ﻫ/1337م بعد إخضاعه لتلمسان و بناها بقرية العُبّاد بالقُربِ من جامع أبي مدين شعيب. وعُرِفت هذه المدرسة بفنّها المعماري ذي الطّابع العربي الإسلامي، و ما زالت قائمة إلى يومنا هذا تتحدّى الزمن وتشهد على مدى الإزدهار المعماري المريني بالمغرب الأوسط خلال العصر الوسيط. ب- مدرسة منشار الجلد: إنّ تاريخ و مكان إنشاء هذه المدرسة مجهول، و لكن يرجح بأنّها كانت بالقُرب من مسجد اِبن البناء بتلمسان. ج- مدرسة الحسن بن مخلوف الراشدي أبركان: أمر ببنائها السُلطان أبو العبّاس أحمد العاقل فيما بين عامي 834-865ﻫ/1431-1462م. و موقعها قُرب مسجد سيدي أبي الحسن بن مخلوف. د- مدرسة مدينة الجزائر: أسّسها السُلطان المريني أبو الحسن و هي عِبارة عن مكان لإيواء الطّلبة حيث يقيمون فيه مدّة دِراستهم، و يؤخذون مُختلف العُلوم عن أساتذتها، كما كان بمدينة الجزائر مدارس أُخرى خلال العهد الزياني كالمدرسة العنانية و مدرسة ابن السُلطان. ه- مدارس وهران: اِنفرد بذكرها حسن الوزّان دون التطرّق إليها بالتفصيل. و- مدرسة مازونة: و كانت نموذجًا مصغّرًا عن مدارس تلمسان. هذا إضافة إلى مدارس أُخرى كانت مُنتشرة في مُدن المغرب الأوسط خلال هذه الفترة، و نظرًا لعدم شُهرتها كمدارس الحاضرة لم تتطرّق إليها كُتُب التّاريخ. و من أجل أن تؤدّي المدرسة دورها التعليمي على أحسن وجه خلال هذا العهد وُفِرت لها الإمكانيات فاِشتملت على قاعات لمجالس المُحاضرات و أماكن لإِقامة الطّلبة و عيّن فيها المُدرسون و المُشرفون على المكتبات المُلحقة بها، إلى جانب هذا لم يهتم بنو زيان بإنشاء المراكز التعليميّة فقط، بل أعطوا عناية بالغة للتّعليم و رِجاله، لأنّه يعدّ من العوامل الأساسيّة المُساهمة في الحركة العلمية في أي مصر من الأمصار. كما يعتبر مرآة عاكسة للازدهار الثقافي و العلمي. و سوف نُسلّط الضوء على نظام التّعليم الّذي كان متّبعًا في المدرسة الزيانيّة من خلال إبراز سنده و مراحله و طُرق تدريسه و ما يلحقها من الرحلة العلميّة من أجل التحصيل و الإجازة. التربية والتعليم في الجزائر في عهد الأتراك ثانيا: التربية والتعليم في العهد العُثماني لقد شهد العهد العثماني ظهور الكثير من المؤسسات التعليميّة التي كانت تهدف في الأساس إلى نشر الثقافة الدينية والعثمانية في أوساط المجتمع الجزائري، فانتشرت المساجد والكتاتيب والزوايا، كل هذا ساهم في خلق نُخب جزائريّة تشبّعت بتلك القيم وساهمت في توطيد العلاقات بين الحواضر الجزائريّة وغيرها من خلال الرحلات وتبادل الخبرات في المجال التربوي، وساهمت في التقليل من نسبة الأميّة. 1- المؤسّسات التعليميّة في العهد العثماني: أ- المساجد: لقد ركّز التعليم في العهد العثماني على المساجد كونها "تمثل النواة الأولى كمؤسّسة ثقافيّة وتعليميّة ودينيّة في آن واحد"[ أحمد مريوش :” الحياة الثقافيّة في الجزائر خلال العهد العثماني”، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر، 2007، ص :11.] حيث أنها تولّت وظيفيتين معا، الدينيّة والتعليميّة، "وغالبا ما تُنسب المساجد إلى مؤسّسيها من السياسيين والتجّار والعسكريين، أو إلى الأحياء الواقعة بها كجامع باب الجزيرة وجامع سوق الغزل بقسنطينة أو إلى صنعة وحرفة أهل الحي كجامع الخياطين وجامع حي الرمّان بتلمسان"[ أبو القاسم سعدالله :” تاريخ الجزائر الثقافي”، الجزء الأوّل، دار النشر الغرب الإسلامي، بيروت،لبنان ، 1996، ص ص : 245-246.] ، وقد تميّزت مدينة الجزائر بكثرة المساجد[ سيمون بقايفر :” مذكرات جزائريّة عشيّة الإحتلال”، تر: أبو العيد دودو، دار هومه، 1982، ص :21 ] منه الجامع الكبير الذي يضل شاهدا على تلك الحقبة، حيث يرجع تأسيسه إلى الباي الحاج عثمان سنة 1960، مع انتشار الكثير من المساجد الأخرى في أرجاء مدينة الجزائر وقسنيطينة وعنابة وبجاية، ويذكر أبو راس النّاصري أن المساجد لم تكن تخلو منها أي مدينة باستثناء مدينة وهران التي قام الأسبان بطمس معالم مساجدها بقوله "درسها الكفرة.."[ أبو العاسم سعد الله :” أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر”، ج1، دار البصائر، الجزائر، 2007، ص :85.]، وكانت تلك المساجد تهتم بتعليم القرآن واللغة والكتابة لكل الفئات العمريّة لمن تسنى لهم الجلوس للدراسة آنذاك. ب- الزوايا والكتاتيب: انتشرت الزوايا والكتاتيب انتشارا واسعا في العهد العثماني، مسّت بالخصوص الأرياف والقرى، ساعدها في ذلك انتشار الطريقة الصوفيّة والتي اتخذت من هذه الزوايا مراكز تعليم وتثقيف ونشر للطريقة، فهي أذا مؤسسات للعبادة والدراسة والتعليم في نفس الوقت، يرأس هذه الزاوية شيخ، يصلي بهم الصلوات المفروضة "ويعتكف للعبادة والأوراد ويلتف حول الشيخ طلبة مريدون"[ الطّاهر بونابي :” التصوّف في الجزائر خلال القرنين 6و7 الهجريين 12 و13 الميلاديين”، دار الهدى، الجزائر، 2004، ص :223.]، وكانت الزوايا آنذاك قسمان: زوايا حرة: يدير شؤونها الطلبة ولا تنتمي لأي طريقة أو ولي، تكون مقرا للعبادة والصلوات وقراءة الأوراد والقرآن، كما تهتم بالتعليم والبحث أيضا. زوايا خاصّة: تتبع تلك الزوايا إلى ولي مُعيّن أو شيخ أو طريقة ما، تتلمذ الكثير من علماء الدين الجزائريين فيها أمثال سعيد قدورة، أبو راس الناصري وغيرهم ... ,انتشر هذا النوع من الزوايا بكثرة في ربوع الجزائر، وتبقى منطقة زواوة وبجاية وتيزي وزو من أغنى مناطق الجزائر بالزوايا حيث فاقت الخمسين زاوية، لعبت دورا هاما في التعليم والتربية ونشر الوعي الديني. كما تمّ تأسيس الكتاتيب والتي كانت بمثابة التعليم التحضيري والابتدائي للأطفال، "يتراوح عدد مريديها ما بين 15 و20 طفلا يواصلون الدراسة بها من 3 إلى 4 سنوات، أما من يرغب في مواصلة الدراسة فيبقى سنوات أخرى من أجل التعلم وحفظ القرآن كله"[ بخوش صبيحة: "وضعية التعليم في الجزائر في العهد العثماني"، مجلة حوليات مخبر التاريخ والجغرافيا، ديوان المطبوعات الجامعيّة، 2008، ص :137.]، حيث يتلقى فيه الأطفال تعليما قاعديا حول اللغة وحروفها الأبجديّة ج- الرباطات: هي مواقع يرابط فيها المجاهدون للدفاع عن الحدود لهذا فهي متواجدة على الحدود إلا أن لها وظيفة ثانية وهي تعليم ومساعدة عابري السبيل وبهذا فهي لم تكن خاضعة لأي طريقة صوفية، بل كانت منفتحة على كل التعاليم الصوفية وجل مؤسسيها من رجال الدين[ “ المرجع السابق”، ص :139]، فالرباطات كانت قلاعا من جهة وزوايا ومدارس متنقلة من جهة أخرى ومثال ذلك: زاوية الشيخ محمد بن علي المجاجي ابهلول( الواقعة قرب تنس والتي اشتهرت بكونها زاوية ومدرسة ورباطا. د-المعمرات: مؤسسات ثقافية تشبه الكتاتيب القرآنية، كانت منتشرة في الأرياف الجزائرية أو القرى الجبلية خلال الفترة العثمانية، ينتقل إليها التلاميذ من أجل حفظ القرآن الكريم وترتيله مع إضافة علوم دينية ولغوية تسيير هذه المعمرات، كان يتم من طرف التلاميذ الدراسين بها من حيث القيام بأعمال النظافة والصيانة فيها، وينقسم طلبة وتلاميذ المعمرات إلى: فئة القدادشة: تتكون من التلاميذ الصغار الذين يأتون إلى هذه المؤسسة لحفظ القرآن. فئة الطلبة: يتركز اهتمامهم في حفظ القرآن وتعلم بعض العلوم الدينية واللغوية إضافة إلى الإشراف على فئة القدادشة في تحفيظ القرآن الكريم.[ وكيل أحمد :” الجزائر في الحكم العثماني”، مجلة حوليات الجامعة ، العدد 15 ، 2012، ص :183.] فئة المقدمين والوكلاء والشيوخ الكبار: تقوم بمهمة التوجيه ماديا وفكريا وحل المشاكل بالمعمرات، ونجد من المعمرات أهمها: معمرة سيدي عمر الحاج على ساحل دلس ومعمرة سيدي أحمد بن دريسي بمنطقة الغزارقة. 2- المناهج التعليمية: ارتكز التعليم في الجزائر خلال العهد العثماني على معرفة بعض علوم القرآن، إضافة إلى بعض العلوم العلمية كالحساب، والذي كان الغرض منه ديني بالدرجة الأولى وهو معرفة الفرائض وقسمة التركات بين الورثة، أما عن برامج التعليم الثانوي، فتخضع لإرادة المعلم فهو الذي يضع البرامج الدراسية وتتميز الدروس في هذه المرحلة بالشرح والتحليل والإملاء، وتنقسم إلى علوم نقلية وعقلية، الأولى تشمل التفسير والحديث والفقه وأصوله والعلوم المتصلة بالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، أما الثانية فتشمل القواعد والبلاغة والمنطق وعلم التوحيد والفلسفة والحساب وعلم الفلك والتاريخ، ولم تكن هناك مقررات وبرامج محددة على الطلبة يدرسونها في كل عام، وإنما يرجع ذلك إلى اجتهاد المعلم، وكانت المناهج الدراسية تحدد في شكل كتب، ولم تكن هناك امتحانات سنوية أو فصلية لاختبار إمكانيات وقدرات الطالب الاستنتاجية والتحليلية، وإنما يواصل الطلبة دراستهم على من يشاءون من الأساتذة. أما فيما يخص الزوايا فكانت تقوم بتدريس علوم الدين والفقه وتعليم مبادئ القراءة والكتابة ولهذا يقول يحي ، ولكن اعتمادها على المنهج التقليدي أدى إلى الركود الفكري وشيوع الدروشة والانحرافات بوعزيز عن الزوايا وعلى هذا فالتعليم كان مقتصرا على الحفظ وتعليم الدين ولا يشمل علوم الحياة والعصر 5، ومن جهة أخرى تجمع المصادر الغربية على أن وضعية العلوم كانت متدية وأن النظام الحاكم كان بعيدا كل البعد عن العناية بالعلوم وتشجيعها فالألماني "فون ريهبندر الذي أقام بالجزائر تأسف على إهمال الطب التجريبي وانعدام الكتب في هذه الفتة، والطبيب "شاو" ذكر أن الكيمياء التي كانت العلم المفضل لدى الشعوب العربية أصبحت تتمثل في تقطير الورد وأن جل الأطباء كانوا قد نسوا تراثهم العربي القديم. في حين يرى الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي( بأن أمهات الكتب في ميدان الطب كانت متوفرة، مثل كتب ابن رشد وابن سينا، وداود الأنطاكي ويعتبر هلتون الأوروبي الوحيد الذي كان رأيه إيجابيا عن الطب بالجزائر، ولعل أهم سبب لقلة الأطباء بالجزائر هو عناية المؤسسات التعليمية بالجزائر بتدريس العلوم الشرعية بالإضافة إلى الشيخ الذي كان يدرس لما فوق تلك الأعمار والمستويات، ويشتط أن يكون المتعلم الذي يختاره أهل الحي من أهل التقوى والصلاح وأن يكون متزوجا وحافظا للقرآن الكريم. أما التلاميذ فقد كان عددهم 65 ولدا بكل مدرسة يدخلونها، ففيها يتعلمون القراءة والكتابة ويحفظون القرآن. ويذكر ابن زاكور أن الطالب يلازم شيوخه سنوات طويلة أو شهورا، يحضر الجلسات ويشارك في الحلقات ، أما عن طرق وأساليب التعليم، ففي المسجد كان المؤدب أو الطالب يقوم بتحفيظ القرآن لأبناء الأهالي ويشرح لهم في بعض الأحيان الشعائر الدينية، ويتقاضى مقابل ذلك كيلا معينا من الحبوب 4، وفي السياق ذاته يذكر ابن خلدون عن أهل ، في حين نجد رأيا مخالفا لابن العباس يذكر في كتابه » أنهم أقوم الناس على رسم القرآن وحفظه من سواهم المغرب الرحلة الناصرية( أنه لم يجد قارئا ولا مدرسا، سوى رجل واحد ممتد يقرأ لوحه، وهو ملقى على غير أدب عند دخوله مدينة بسكرة في مسجدها والعلوم المساعدة لها وأهملوا تدريس الطب، ويعد عبد الرزاق بن حمادوش، أشهر أطباء الجزائر خلال العهد العثماني. التربية والتعليم في العهد الاستعماري ثالثا: التربية والتكوين في عهد الاستعمار الفرنسي "في سنة 1830 كان هناك أكثر من 100 مدرسة في الجزائر العاصمة ، قسنطينة 86، تلمسان 50، و10 زوايا"[ MELIA (J.), Histoire de l’université d’Alger, Maison des Livres, 1950,p 250.]، لذلك كان لزاما التفكير في تطوير منظومة التعليم إلى التعليم العالي والجامعي كضرورة ملحّة، وتقتضي طبيعة الأشياء أن يكون التعليم العالي المرحلة الأخيرة من مراحل التنظيم التربوي لكن المفارقة الغريبة في التعليم العالي الفرنسي في الجزائر المستعمرة تكمن في كونه بدأ قبل المراحل الأخرى الابتدائية والثانوية، وإذا كان الكثير من الباحثين يتحدث عن هذه البداية مع إفتتاح المدرسة التحضيرية للطب في 1859 م، أو المدارس الثلاث (الآداب، الحقوق، العلوم) في سنة 1879 م فإن بعض المصادر تتحدث عن هذه البداية في 02 جانفي 1832 [ Université d’Alger: ‘’ Cinquantenaire 1909-1959’’, Supplément au Bulletin de l’Académie d’Alger. Algérie; 1959. p:15]، عندما بدأ الطبيب الرئيسي للجيش الفرنسي أولى محاضراته في الفيزيولوجيا في حديقة الداي ببوزريعة، وهو السيد (stephano poli) أمام حوالي 30 طالب من ممارسي الطب. كما بدأ الجراح (boudin) وهو الجراح الرئيسي للجيش محاضراته في علم التشريح الوصفي. إن هذه الإشارات الأولى تعبر عن بدايات اضطرارية لتأهيل ممارسي الطب في ميدان المعارف الطبية العامة، لحاجة الجيش الفرنسي الغازي لمثل هذا الاختصاص. أُعجب القادة العسكريين بهذا العمل وعلى رأسهم قائد الجيش المارشال (randon) الذي اعتبر هذا العمل سير على خطى طبيب نابليون الأول "أنطوان كلوط" منشئ مستشفى أبو زعبل في مصر. ودعمت وزارة الحربية تدريس الطب من خلال إصدار تعليمية وزارية في 10 جوان 1832 تسمح للطلبة الأتراك والعرب واليهود بمتابعة هذه الدروس. شكلت الترجمة أيضا أولى اهتمامات الحملة الفرنسية، فقد بدأ السيد "جوني فرعون"[ جوني فرعون : هو ابن المترجم الرسمي لنابوليون بونبارت في مصر، درس في قسم اللغات الشرقية بباريس واجاد العربية رافق الحملة الفرنسية على الجزائر بوصفه مترجم لقائدها.] المترجم الرئيسي لقائد الجيش- بتنظيم دروس في العربية للضباط ومستخدمي الجيش في متطوع ضم أيضا بعض المهتمين من الأعيان المحلين. يبدو أن تعليم العربية وتعليم اللغة الفرنسية الجزائريين وتدرس الطب كانوا من الضروريات في السنوات الأولى للاحتلال، وهذا ما أشار إليه المستشرق "برنسي" الذي بدأ في التقاء دروس أمام نبلاء المدنية في الجزائر منذ 17 جانفي 1837 كل يوم أربعاء في شارع سوق الجمعة ويقول عن الهدف من ذلك :"...لمعرفة طباع الشعب جيدا.ذلك الذي نحن مدعون لحكمه، وأيضا لوضعه شيئا فشيئا في الفكرة الواسعة لحضارتنا..."[ Université d’Alger:op.cit.p:15]. كما تم أيضا افتتاح محاضرات عامة للعربية في كل من قسنطينة ووهران منذ 1846، التي لعبت دورا هاما في تكوين مترجمين مرتبطين بمصالح الجيش والمحاكم والمصالح الأخرى من عناصر محلية و أوروبية. ومهما يكن من أمر فان مختلف التجارب الأولى للتعلم العالي وخاصة الترجمة والطب قد بدأت على مستوى الجيش.هذا الأخير ازداد اهتمامه بالمعرفة والعلوم والطب والاكتشاف لمعرفة هذه البلاد المترامية الأطراف، المجهولة الأغوار والعذراء خاصة وانه مزود بترسانة من العلماء في مختلف التخصصات، ويظهر هذا في تصريح البارون (bendron) بمناسبة توزيع الجوائز التشجيعية في المدرسة العسكرية للطب في 23 جانفي 1833 حيث قال "إنشاء مدرسة للطب ليس فقط حدث هام بالنسبة لضباط الصحة والمرضى لكنه أيضا بداية علمية بمثابة الشعلة للأجيال العلمية.في بلد نحن في حاجة لمعرفة كل شيء عنه...يجب دراسة المناخ اليوم، الأرض، المنتوجات التطورات الممكنة للثقافة، الأمراض وأسبابها وأثارها، وسائل القياس، عادات السكان وتقاليدهم، طرقهم في الحياة، درجة تحضرهم وتعلمهم، إمكانية تطوير هذا وذاك..."[ Ibid. P:17]. بدأت المدرسة العسكرية تواجه صعوبات بين ديسمبر 1833 وأفريل 1835، بسبب الالتزامات العسكرية، لكن وزارة الحربية أنهت الجدال بإرسال طاقم رسمي من الأساتذة مكون من ثلاثة أطباء وأربع جراحين وثلاثة صيادلة في ماي 1835، كما عملت على تزويد المكتبة ب(700 إلى 800)مجلد وأنشأ الطاقم الجديد حديقة نباتية ضمت حوالي 800 نبتة بفضل أطباء وعلماء نبات عسكريين منهمchevreau, monard, mayou) ). ظلت هذه المدرسة مهددة بسبب الالتزامات العسكرية للطاقم مما جعل السيد (boudin) يراسل المفتش العام لدعمها "آمل في حضور سيادتكم إلى فيلقنا، مستشفى التعليم في الجزائر هو مؤسستكم لترفعوا عنه الضغوط"[ Ibid. P:17]. " تتميز مدرسة الجزائر عن نظيراتها في فرنسا بتركيبتها البشرية فإلى جانب الفرنسيين يجلس طلاب من كل الجنسيات المشكلة للشعب الجزائري"[ MELIA (J.), op.cit., p :250.]، ضف إلى ذلك أن " تجمّع وتوحيد الطلاب من شمال إفريقيا سيسمح لهم بطرقة أفضل الدفاع عن مصالحهم المعنوية والمادية"[ KADDACHE Mahfoud: ‘’Histoire du nationalisme algérien’’, T.I.SNED, Alger,1980, pp: 220-221.]، في إشارة إلى محاولة تكوين طالب واعي يستطيع معرفة حقوقه وواجباته والدفاع عنها، "لاحقا وبفضل تطبيق مقاييس خاصة...الأهالي يمكنهم الاستفادة من المدرسة وكل العلوم التي تقدمها... سيقتنع العرب أن تعلم الطب سيمكن أفراد من بني جلدتكم من تنويرهم بطرق طبية علمية بدل حزم رؤؤسهم بلفة من القماش..."[ Louis Paoli, l’enseignement supérieur a Alger1906.BU ; Alger , Algérie ;1959.p :413]. هي عبارات أطلق مثلها الكثيرون، " الدين يفرقنا والطب يجمعنا"[ Ibid, P 414.] أو "يفعل الطب ما لا تفعله البنادق"[ ايفون تيران :” المواجهات الثقافية في الجزائر المستعمرة، دار القصبة، الجزائر 2007، ص :21.]، و"لا وجود للحرية الأكاديمية لدى المسلمين"[ HABBART (M)’’:Histoire d’un parjure’’, ., Ed. Minuit,Paris,France, 1960. P: 138.]، في رسالة واضحة إلى وجوب وضع الدين جانبا عن البحث العلمي عموما، وضرورة إيجاد سبل كفيلة بتطوير كفاءات تأطير، إنه من غير الناضج إيجاد كليات العلوم والآداب في الجزائر، انه من غير الممكن تخريج دكاترة لغياب الإطار المدرس وجمهور الطلبة وكذا التمويل لكن يجب أن نستجيب للحاجات الملحة ونترك المستقبل يتكفل بتكملة الباقي"[ Louis Paoli, OP.cit, P : 420.]. في الأخير تمكن مشروع بول بارت من المرور بفضل نفوذه الواسع كسياسي وبرلماني وجامعي في جلسة 1875.07.05 ثم صدر قانون 20 ديسمبر 1879 المتكون من 9 مواد والذي يحدد بوضوح شخصية هذه المدارس، وبذالك دخل التعليم العالي الفرنسي في الجزائر طورا جديدا بخلق مؤسسات جديدة هي المدارس التحضيرية العليا في العلوم والآداب والقانون إلى جانب مدرسة الطب التي أصبحت مدرسة تحضيرية كاملة الصلاحيات، "وأنشئت هذه المدارس العليا مبدئيا لتلبية الاحتياجات الاستعمارية، واحتياجات العملاء الذين كانوا يتوسطون بين الاستعمار والأهالي"[ Djamel Guerid:’’ l’université d’hier et aujourd’hui’’.8 édition crasec, Oran,Algérie, 1998, pp: 7-8]، إضافة إلى وجود نيّة قوية من أجل جعل هذه المدارس العليا مركزا للإشعاع الثقافي والاجتماعي "يجب أن تظل المدارس العليا مرتعا لثقافة عالية، لكن يجب أن تكون أيضا متكيّفة مع الجذور الاجتماعية للمجتمع الجزائري"[ AGERON (Ch.R.):’’ Histoire de l'Algérie contemporaine’’, T.II. Paris, Presses universitaires de France, 1979, p: 163.]. تعرضت فيما بعد المدارس العليا في الجزائر إلى انتقادات كبيرة قبيل استكمال شكلها التنظيمي لتتحول إلى جامعة، ففي إطار الاستقلال المالي للجزائر، تعالت أصوات بعدم جدواها، أو غلقها أو تحويل مسارها إلى التعليم المهني، وتم اختلاق حجج كثيرة، تمثلت أساسا في طرق التمويل والإطار القانوني للنشاط ونوعية التعليم وكذا الشهادات المقدمة. والحقيقة الظاهرة أن هذه المدارس في ذاتها كانت تعتبر جنين جامعة قيد النشأة وهذا ما أشار إليه Louis Paoli في تقريره حول التعليم العالي 1906 فقال "حلمت الإدارة الجامعية العليا في فرنسا دائما بشيء كبير وعملي للمستعمرة والعلم، لقد خلقت في الجزائر سنة 1879 جنين جامعة"[ Louis Paoli, Op.cit, p: 413 ]. ومن جهة أخرى فإن الأرقام المتعلقة بفئة الجزائريين في المدارس العليا أو التعليم العالي عموما ظلت ضعيفة، فعدد الدارسين في المؤسسات الثانوية لم يتجاوز 180 سنة 1910، غالبا ما كانوا يختارون إحدى الجامعات الفرنسية بعد النجاح في البكالوريا، كما تشير الإحصائيات إلى حصول حوالي 29 طالب مسلم على البكالوريا قبل 1910. [ غي بارفلي:” النخبة الجزائرية الفرنكوفونية :1800-1962”، ترجمة محمد حاج مسعود وآخرون، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2007، ص :47.] كما كان مرجوا من المدارس العليا تكوين إطارات، كان بالقابل آمال أخرى لموقع ريادي لها في شمال إفريقيا " هناك شيء يجب معرفته جيدا، الجزائر ليست مكلفة بالاكتفاء الذاتي فقط، إنها في هذا الوقت مركز للدراسات المتعلقة بشمال إفريقيا، وإنها مكلفة بتحضير وإنتاج وتقديم علماء قادرين على دراسة كل المسائل العلمية المطروحة في هذا البلد، ليس فقط في الجزائر ولكن في الصحراء وتونس والمغرب"[ Louis Paoli, OP.cit, P 431.] حسب ما قاله السيد العميد في دفاعه عن هذه المدارس التحضيرية. وكانت المادة الأولى من 30 ديسمبر 1909 تشير إلى تحويل كل المدارس التحضيرية إلى كليات، وحوّلت مجالس الكليات السابقة إلى مجلس للجامعة، وأصبحت تمنح الشهادة التي تمنحها نظيراتها في الجامعات الفرنسية، وعموما فان هذا القانون- 30 ديسمبر 1909 م- قد أنشأ أربع كليات أساسية وهي : oالكلية المختلطة للطب والصيدلة. oكلية الآداب والعلوم الإنسانية. oكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية. oكلية العلوم. وقد تدعّمت هذه الكليات بمعاهد همها: oمعهد الأبحاث الصحراوية. oمعهد الدراسات الإسلامية العليا. oمعهد الدراسات السياسية. oمعهد الدراسات الفلسفية. oمعهد الاثنولوجيا. oمعهد التمدين. oمعهد التربية البدنية والرياضة. oمعهد النظافة والطب لما وراء البحار. oمعهد البسيكوتكنيك والبيومتري. oمعهد الأرصاد الجوية وفيزياء الأرض بالجزائر. oمعهد العلوم الإدارية والاجتماعية. oمعهد التحضير للأعمال. إضافة إلى المرافق الملحة بالكليات مثل المكتبة الجامعية ومنزل استقبال الطلبة والاقامات الجامعية وغيرها من المرافق التي ساعدت في تطوير وتنمية التعليم العالي آنذاك، "وبذلك كان هناك نمو كبير انطلاقا من 1909، ومنذ إضفاء الطابع المؤسساتي والحقل الأكاديمي مع إنشاء جامعة الجزائر كأول جامعة أنشأتها الإمبراطورية الكولونيالية الفرنسية في مستعمراتها"[ MELIA (J), op.cit, p: 152.]. التربية والتعليم بعد الاستقلال رابعا: التربية والتعليم في الجزائر بعد الاستقلال النظام التربوي بعد الاستقلال. ورثت الجزائر نظاما تربويا بعد حرب ضروس كانت ختاما لصراع مرير امتد لأكثر من ثلاث عقود بعد المائة، للمحافظة على مقوماتها الوطنية من الانحلال والذوبان، فلقد تأثر التعليم ونظامه بكل ما كان يحدث في المجتمع، فمنذ أن إفتكت الجزائر حريتها، وهي تصارع خاصة وأن مستعمرها ترك لها كيانا هشا وضعيفا خاصة على مستوى قطاع التربية والتعليم، فالمنظومة التربوية في عام 1962 كانت مهيأة حسب الغايات والأهداف التي رسمها له النظام الاستعماري الفرنسي خدمة لمصالحه المختلفة والكثيرة والخاصة، لقد كانت ظروف هذا الاستلام صعبة وعسيرة للغاية وزاد الأمر صعوبة مع الطموح الكبير الذي كان في نفوس القادة آنذاك إذ أرادوا أن تعرف الجزائر أول دخول مدرسي لها في تاريخها الجديد في سنة الاستقلال، إذ لا يجب تأجيله مهما كانت الظروف، ونقول عن الظروف التي صنعتها فرنسا قبيل خروجها من الأراضي الجزائرية، فهي تعمدت توقيف عجلة التقدم والرقي بإصدارها لأوامر تطلب فيها من كل موظفيها مغادرة التراب الوطني، رغم أن الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين نصت على عكس ذلك تماما. وعليه وضع المجتمع الجزائري برمته بين مطرقة التنمية وسندان نتائج الحرب، الحرب التحريرية وما خلفته، فليس القضاء على مخلفات الاستعمار إلا خطوة أولى للتنمية، فلقد غادر صبيحة الاستقلال معظم المعلمين الفرنسيين أو لنقل حسب من عايش الوضع القسم الأكبر ولم يبق منهم سنة 1962 سوى عشرات من المعلمين الجزائريين قدر عددهم 2602 معلم، إضافة إلى نحو ألف معلم من أصل فرنسي، بينما كان يحتاج هذا الدخول حسب التقديرات الرسمية نحو عشرين ألف معلم على أقل تقدير.[- عبد الرحمان بن سالم: “المرجع في التشريع المدرسي”، ط3، المكتبة الوطنية ودار الهدى، الجزائر، 2000، ص :15.] إذا ما تبقى من مدرسين كان لا يكفي حتى لتغطية المرحلة الابتدائية والتكميلي (الإكمالية)، ولن يغير الوضع لما يكون الحديث عن الأساتذة المتخصصين في المواد العلمية والأساتذة المساعدين في المراحل الأخرى من التعليم. ونظرا للظروف والأحداث التي مرت بها الجزائر أثناء كفاحها لنيل حريتها، لم تتح الفرصة للمعلمين أن يتلقوا تكوينا جيدا، ولقد أشرنا إلى أساليب في السابق حيث زادت نقطة تكوين ما بقي من مدرسين الوضع تدهورا، فهم لا يملكون المستوى المطلوب للتدريس، إذ أغلبيتهم الساحقة لا تملك شهادة عليا كالليسانس باللغة العربية ولا يحسنون التعليم بها وهذا بفعل التغييب القصدي للغة العربية، فزاد هؤلاء اللفظ اللغوي ضعيف جدا والسبب دائما المستعمر الذي أجبر الجزائريين كلهم على الاعتماد التام على اللغة الفرنسية في شتى الميادين وإن صادق وتكلموا العربية فهي لا تعد لغة بقدر ما هي لهجة عامية لا تخلو من مفردات فرنسية كثيرة[ محمد البشير الإبراهيمي : “مرجع سابق” ، ص : 237 .]. يمكننا القول أن سبب أزمة إعادة البناء التي عرفتها الجزائر كانت بسبب الاستعمار الذي دمر كل شيء قبل رحيله، حتى تبقى الجزائر في حاجة له، إلا أن إطارات وقياديي الجزائر قد رفعوا التحدي كما رفعوه دائما، فبدؤوا في التخطيط والبناء والانتقال من الثورة المسلحة إلى ثورة البناء وإعادة تشييد أركان الدولة، ثورة أصعب وأطول من الأولى، ففي ميدان التعليم الذي هو موضوع دراستنا عملت الجزائر كل ما بوسعها لضمان السير الحسن لكل الأنشطة التي تدور في الدولة الفتية وعمل الكل على تسطير جملة من الأهداف حتى يكون العمل موجها لتثقيف بعضها أو كلها ولما لا إذا توفرت الإرادة اللازمة. إذا وللتغلب على مشاكل التربية والإسراع في بناء أركان الدولة، سارعت الجزائر المستقلة في البحث عن حلول سريعة ومن بين ما تبنته من حلول أنها أخذ التشريع المدرسي الذي كان معمول به قبل الاستقلال فأخذت من النظام التربوي الفرنسي سن بداية الدراسة في المرحلة الابتدائية تمتد فترة 6-14 سنة، وهي بعمر ثمانية سنوات أي من السنة الأولى إلى السنة النهائية الثانية التي فيها يتقدم الطلبة لامتحان القبول للسنة أولى ثانوي –عام وتقني- كما أنه اتخذت تدابير لتغطية النقص الكبير في عدد الهياكل التعليمية ومن هذه التدابير تحويل دور الحضانة إلى ما يشبه المدارس الابتدائية بعد أن ألغي القرار المؤرخ في 23/09/1965 دور الحضانة وهذه المرحلة كانت موجودة قبل الاستقلال.[ رابح تركي عمامرة :” التعليم القومي والشخصية الجزائرية”، ط2، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، 1981، ص : 105.] وإذا تكلمنا عن نقص المعلمين فهذا الجانب هو الآخر وجدت فيه مشاكل عديدة لابد من حلها فقد كان لابد أن يقوم بمهمة التعليم بعد الاستقلال ما يقارب 20.000 معلم على أقل تقدير، إلا أن الإحصائيات بينت أن العدد وصل إلى 2600 معلم إضافة إلى ألف معلم من أصل فرنسي، وهذا ما جعل الدولة تعتمد على خطط استثنائية منها: -التوظيف المباشر لمن له مستوى مقبول من التعليم باللغتين الفرنسية والعربية. - اللجوء إلى التعاون الثقافي بين الدول خاصة تزويد الجزائر بمعلمين من الشرق والمغرب العربي. - عقد تعاون ثقافي مع فرنسا لتزويد الجزائر بما يلزم من المعلمين إذ بلغ عدد المعلمين الفرنسيين حوالي 7691 معلم فرنسي. ورغم أن العدد وصل إلى 16886 معلم إلا أن عددا من التلاميذ بقوا من دون معلم، فسارعت عدة مؤسسات تعليمية إلى استعمال نظم بيداغوجية خاصة، كتجميع الأفواج في فوج واحد أو التناوب على حجرة دراسية عدة مرات في اليوم، كذلك التخفيف من الحجم الساعي والمقرر كله، وجعل معلم واحد يشرف على عدة أفواج دراسية، أما وضعية الحجرات الدراسية فقد وصفها الباحثون والمهتمون بالقطاع بأنها خطيرة، فقد استعملت الثكنات العسكرية والمراكز والمحتشدات والمساكن المدرسية وحتى المحلات التجارية وأحيانا المساجد في بعض المناطق، هذه الأماكن كانت تفتقر في كثير من الأحيان إلى الشروط البيداغوجية الصحيحة للتعليم السليم كالإنارة والتهوية والمساحة المخصصة لكل طفل. زد إلى ذلك المشاكل التي نجمت عن إنشاء وزارة فتية سنة 1962 بموجب مرسوم رقم 62/10 المؤسس للحكومة الأولى والمؤرخ في 27/09/1962 ومن هذه المشاكل: هيكلتها وتلبية حاجاتها وتحديد طريقة عملها وتزويدها بالإطار والكفاءات ذات الخبرة .. الخ، كما أنه لابد منذ كر المشاكل التي أتى بها المساعدون العرب الذين جاؤوا لتعليم الجزائريين فهم لم يكونوا كلهم في المستوى الثقافي والتكويني الكافي فأغلب المعلمين العرب كانوا مساعدين أو ممرنين مما كان لزاما على الوزارة الوصية أن تتولى تكوين هؤلاء بواسطة برمجة دورات تكوينية في المراكز الثقافية وإعطائهم دروسا مسائية أو تكوينا عن طريق المراسلة أو الورشات الصيفية.[- عبد الرحمان بن سالم: “مرجع سابق”، ص ص :15-16.] وهي كلها إجراءات من أجل جعل الوافدين أكثر قربا من عادات وتاريخ الشعب الجزائري، كذلك كان القصد من هذا كله تعريف هؤلاء المساعدين على خصائص ومميزات المجتمع الجزائري من الناحيتين الثقافية والاجتماعية حتى لا يعطوا التلاميذ معلومات لا تتماشى مع ذهنية الشعب كالدين والسياسة لذا فيمكن وصف واقع المنظومة التربوية بعد الاستقلال بأنه كان واقعا يضم: -انخفاض مستوى التمدرس عند الجزائريين. - حاجة الجزائر إلى إطارات فنية. - توفير قيادة وطنية حافظت على مستوى الوطنية مرتفعا حتى يعمل الشعب ويتغلب على الصعاب. - توفير الإمكانيات المادية التي بها تبنى المنشآت والمرافق التربوية. لقد أنجزت خلال ثلث القرن الماضي حضيرة هائلة من الهياكل والمرافق البيداغوجية تكون شبكة مترامية الأطراف وهي تضمن تمدرس ربع سكان الجزائر، فواحد من أربعة جزائريين موجود على مقاعد الدراسة، كما أن حوالي 65% من الأطفال من سن 17 سنة يحصلون على مساعدات إما مجانا أو بأثمان رمزية، وهذا للتقليل من التفاوت الطبقي وتحقيق تكافؤ الفرص بين كل المواطنين، ومن إنجازات هذه الفترة أن مدارس الجزائر صارت مفتوحة لتلاميذ وطلاب من بلدان أخرى، لقد قفزت نسبة التمدرس في الجزائر بعد عقدين من الاستقلال قفزة كبيرة، فالنسبة التي قدمها الباحثون الفرنسيون والإدارة الاستعمارية نفسها تقدر بـ10% إلى 12% عام 1960،[- محمد العربي ولد خليفة: “الجزائر المفكرة والتاريخية- أبعاد ومعالم”، دار الأمة للنشر، الجزائر، 1998، ص: 257.] بينما هي عالية في الفترة التي عرفت فيها الجزائر بناء صرحها الحضاري (خلال السبعينات). 2- مفهوم النظام التربوي. نظرا لأهمية النظام التربوي ضمن مجموع الأنظمة الاجتماعية تعددت المفاهيم كل وفق الرؤية التي يتصور من خلالها النظام التربوي، حيث يعرفه معجم علوم التربية ومصطلحاتها "هو مجموعة من العناصر والعلاقات التي تستمد مكوناتها من النظم السياسية والاقتصادية والسوسيوثقافية وغيرها، لبلورة غايات التربية ولأدوار المدرسة ونظام سيرها ومبادئ تكوين الأفراد الوافدين إليها".[- عبد اللطيف الفاربي وآخرون:” معجم علوم التربية ومصطلحاتها”، المغرب، 1994، ص : 308.] في حين يعرفه محمد عاطف غيث في قاموس علم الاجتماع "النظام أو النسق الاجتماعي الذي يشمل الأدوار والمعايير الاجتماعية، التي تعمل على نقل المعرفة من جيل إلى جيل آخر، والنظام التربوي لا يشمل فقط على التنظيمات الرسمية المخصصة للتربية، وإنما يشمل بالإضافة إلى ذلك على الوسائل التي حددها المجتمع لنقل التراث الثقافي".[محمد عاطف غيث:” قاموس علم الاجتماع”، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2005، ص : 153.] فالنظام يشتمل على الأدوار والمعايير الاجتماعية التي تعمل على نقل المعرفة من جيل إلى جيل، كما ينطوي على تعليم مهارات وقيم أساسية لازمة لاستمرار المجتمع. كما يرى تعريف آخر أن النظام التربوي يتضمن جملة من القواعد والتنظيمات والإجراءات التي تتبعها الدولة لتسيير شؤون التربية والتعليم، تهدف من ورائها للمحافظة على قيم ومبادئ الأمة، موجهة النظام التربوي وفق هذه السياسات التربوية، التي تعكس التوجهات العامة للمجتمع، "فالنظام التربوي في أي بلد هو عبارة عن مجموعة من القواعد والتنظيمات والإجراءات التي تتبعها الدولة في تنظيم شؤون التربية والتعليم، وهذه النظم التربوية عامة هي انعكاس للفلسفة الفكرية والاجتماعية والسياسية السائدة".[ عبد الله الرشوان و نعيم جعنيني:” المدخل إلى التربية والتعليم”، ط2، دار الشروق، عمان، الأردن ،2006، ص: 357.] ومنه فهو يعبر عن فلسفات تؤسس على ضوئها المناهج التربوية التي تأطر عملية التعليم على كافة المستويات التنظيمية، فهي وحدة فنية اجتماعية مزودة بجملة من الإجراءات ذات الاستقلال الذاتي في نشاطاتها المتفاعلة فيما بينها، لخدمة غرض محدد يكون نابع من فلسفة المجتمع والسياسة التربوية المعدة لذات الغرض، ومؤسساته بما تحمله هذه المؤسسات من روافد سوسيوثقافية، تعبر عن طموح وآمال الشعوب في منظومتها التربوية. مما سبق الإشارة إليه يمكن أن نحدد جملة من الخصائص التي يتميز بها النظام التربوية نوجزها فيما يلي: 1-للنظام التربوي غايات ومرامي مرتبطة بالسياسة التربوية للأمة، ضمن إطار فلسفتها التربوية. 2- الارتباط الوثيق بين الجوانب السوسيوثقافية وقيام النظم التربوية. 3- كل نظام تربوي يتضمن جملة من القواعد والتنظيمات والإجراءات المحددة لإنجاز أهدافه. 4- يعبر عن آمال وطموح الأمة في الرقي والتقدم. 3- أهداف النظام التربوي. لكل نظام تربوي أهدافه الخاصة والعامة، والتي يستمدها من المرجعية الفلسفية والاجتماعية التي يقوم عليها هذا المجتمع، ويمكن أن نوجز هذه الأهداف فيما يلي[ عمر محمد التومي الشيباني :” تطور النظريات والأفكار التربوية “، ط 2 ، الدار العربية للكتاب ، لبييا ، ص: 349 .]: 3-1- التكيف الاجتماعي للفرد: إن التربية تعتبر الوسيلة الفعالة للتنشئة الاجتماعية سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، لذلك كان للتربية عند القدامى أو المحدثين أهمية كبيرة، حيث نظر إليها العددي من الفلاسفة والمفكرين على أنها القائد لحياة ناجحة وفعالة بل هي الحياة نفسها، فهي تضمن للفرد القدرة على التكيف مع المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه. 3-2- اكتساب المهارات الأساسية: يسعى النظام التربوي من خلال مناهجه التربوية وكل آلياته المستخدمة في المجال المدرسي من أجل تزويد التلاميذ بالقدرة على القيام بمجموعة من المهارات التي تفيدهم في مزاولة الأنشطة المختلفة للحياة، داخل المدرسة وخارجها، حسب مستوى العمر والقدرات العقلية التي يتمتعون بها، إلى جانب الجوانب المعرفية التي يحصل عليها الطلاب. 3-3- تطوير نوعية التعليم والتعلم: يهدف النظام التربوي إلى تحسين جودة التعليم من خلال جملة من الإجراءات المتبعة تتعلق بالمناهج الدراسية، وتفعيل العمل التربوي، من خلال التجديدات التربوية والإصلاحات التي تحدث من حين لآخر، وتحسين نوعية التعليم وتطويره بالإفادة من مستخدمات العلم والتكنولوجيا. ومنه فالنظام التربوي الجزائري أهداف يتميز بها صاغها طبقا لخصوصيته ومرجعيته ،يعد بيان أول نوفمبر من المواثيق الراسخة والأصلية في تاريخ الجزائر، بل هو مرجع لكل ما جاء من بعده من مقررات ودساتير، حيث إن القراءة السريعة للبيان لا تبرز أبدا أي إشارة صريحة عن التربية والتعليم، إلا أنه يبرز أن ما يجب تحقيقه لا يتحقق إلا بالتربية والتعليم، هذا التلميح غير معلن على أهمية التربية، فمن بين أهدافه الأساسية التي لن تتحقق إلا بوجود التعليم نجد مبدأ الدين الإسلامي، كإطار حضاري وهوية وطنية، فقد وردت إشارات في البيان حول أهميته الحضارية وأكد على أنه مقوم أساسي للثورة ومسارها. كما اعتبر مبادئه الإطار العام الذي تتم فيه المواصفات لقيام الدولة الجزائرية، وكذا خصوصيات نظامها السياسي المستقبلي، وهي مبادئ الديمقراطية والطابع الاجتماعي الشعبي والسيادة الكاملة، كما ميز البيان الشخصية الجزائرية عن طريق الإسلام والتاريخ واللغة والإطار الجغرافي والعادات التي تجعل من الجزائر ليست فرنسية، كذلك نجد احترام حريات المواطن الأساسية وهذا كله لات يمكن التنازل عنه تحت أي سبب.[ حسن بركة: “أبعاد الأزمة في الجزائر – المنطلقات، الانعكاسات، النتائج”، دار الأمة، الجزائر، 1997، ص : 118.] وهكذا فإن أهداف النظام التربوي الجزائري لا يجب في كل حال من الأحوال أن تخرج عن سياق الثوابت والمقومات التي حددتها وثيقة أول نوفمبر، والتي تعتبر المرجع الذي أسس لقيام الدولة الجزائرية، وقد جاء التعبير عن هذه المقومات بكل وضوح بأن الإسلام والعربية والتراث الوطني كالأمازيغية وكل ما يمثل الثقافة التحتية للمجتمع الجزائري من عادات وتقاليد، كلها محددات للشخصية الوطنية الجزائرية والتي تتميز عن غيرها لا سيما الثقافة الفرنسية، التي علقت بها وأصبحت تهددها. ولهذا كان من الضروري اعتماد أهداف لنظام التربية الجزائري تعزز الهوية الوطنية لدى أفراد المجتمع الجزائري وتزيد في تحقيق التماسك بين أفراد المجتمع الواحد، ومن بين هذه الأهداف ما يلي: أ-التعريب كهدف من أهداف النظام التربوي الجزائري: أرادت الحكومة الجزائرية منذ افتكاك حريتها أن تقطع صلة بالحقبة الاستعمارية فقامت كأول إجراء لتحقيق الأهداف التعليمية المسطرة هو أن تحذف اللغة الفرنسية داخل التراب الجزائري، فبدأت بتعريب كل المواد الدراسية من الابتدائي إلى الثانوي فالجامعي، أما اللغة الفرنسية فقد وضعت موضع اللغة الأجنبية التي لابد من تعلمها لأنها وسيلة تخاطب لا أكثر حسب قول الدكتور عبد القادر جغلول.[ عبد القادر جغلول: “تاريخ الجزائر الحديث”، ط3، دار الحداثة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص : 236.] ومن أشكال التعريب التي ظهرت وتظهر في المنظومة التربوية الجزائرية نجد[ ـ احمد طالب الإبراهيمي: “من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية 1962 - 1972 “، ترجمة حنفي بن عيسى، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، بدون تاريخ، ص : 26 .]: -الحرص على جعل المناهج والكتب المدرسية والمعلمين يعلمون كل ما له علاقة بالقيم العربية وأن تكون نابعة من الدين الإسلامي كالطاعة والشرف وغيرها من القيم السامية. - جعلت الكتب المدرسية من اللغة العربية لغة سهلة واضحة ممتعة، سهلة سواء في الكتابة أو المخاطبة وذلك بتبسيط قواعدها وانتقاء ألفاظها وتعبيرها المؤدية للفكرة والمعنى. - إقحام اللغة العربية في كل الميادين العلمية وحتى التقنية. - جعل اللغة العربية لغة الحوار اليومي سواء داخل القسم أو خارجه مع تشجيع ذلك بإضفاء روح الفكر العربي الإسلامي. لقد أرادت الجزائر أن يشهد عليها التاريخ والعالم أنها لابد أن تنهض بحضارتها في إطار هويتها اللغوية المتميزة، وعليها فسياسة التعريف التي أرادتها الجزائر هي عمل ثقافي متخصص مرهون بقرار ثوري وتخطيط وإنجاز علمي متقدم ومتعلق بإرادة سلطوية ترفع وتسند وترعى هذه السياسة التي تتلازم وسياسات أخرى تنخرط ضمن إستراتيجية التنمية الشاملة. ب- الجزارة كهدف من أهداف النظام التربوي الجزائري: الهدف الثاني في المنظومة التعليمية التربوية الجزائرية هدف ينادي ويقول أن مجتمع بلا جذور هو مجتمع بلا آفاق، فالحاضر يبدأ من الماضي، ليمتد إلى المستقبل، والوطن هوية تتجذر في الذاكرة التاريخية في الآمال المعاصرة على حد سواء، ولوجود فعلي لابد من تواصل الأجيال وتكامل المراحل، فلقد أكد الكثير من المهتمين أن مجتمع بلا ثقافة تاريخية كافية، مجتمع مضطرب في تحديد مرجعيته الوطنية، يعاني من الغموض والخلل والاغتراب حتى، وقد تعطى له صورة على أنه مجتمع يتحرك في فراغ لأنه بلا أصول وثوابت يستند إلى حائط ساقط الآثار، ولكي نصل إلى مرحلة تجعل المجتمع الجزائري يستند إلى حائط قائم ومتين كان لابد من تحسين تعليم أبنائه وتعريفهم ببلادهم وتاريخهم وحضارتهم، وهذا ما اصطلح عليه بالجزأرة وهي" تعني كل مضمون دراسي جزائري مائة في مائة[- حسن بركة: “مرجع سابق”، ص : 119 .]"، وهي تلزم بذلك الإلغاء التاريخي للتعاون خاصة مع الأجانب المساعدين وإزالة الآثار الدخيلة الوافدة من ثقافات لا صلة لها بالجزائر والعروبة والإسلام، لقد أرادت الجزائر من هذا الهدف أن تبعث الشخصية الجزائرية الأصيلة، والمقصود بالجزأرة هو إزالة العناصر الدخيلة الوافدة من المجتمعات أو الثقافات التي لا تمد بأي صلة بالمجتمع الجزائري والمقصود من ذلك هو العمل على بعث الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية الأصيلة نقية من كل الشوائب. والجزأرة في ميدان التعليم تعني الاهتمام بالنواحي التالية:[- تركي رابح:” أصول التربية والتعليم”، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1989، ص : 33.] -جزأرة نظام التعليم وخططه ومناهجه، والابتعاد عن الاستعارة من المجتمعات الأخرى إلا عند الضرورة القصوى فقط. - جزأرة أهداف التعليم وقيمه ومتطلباته في ضوء واقع الجزائر ومنطلقاته بما يحقق الشخصية العربية الإسلامية النقية في نفوس الناشئين. - جزأرة المستويات والتخصصات والمفتشين والخبراء في التربية والتعليم. - جزأرة الكتاب المدرسي شكلا ومضمونا فضلا عن الوسائل التعليمية المتنوعة. ج-الديمقراطية كهدف من أهداف النظام التربوي الجزائري: ثالث هدف من الأهداف التربوية التعليمية التي سطرتها الحكومة والشعب الجزائري فهي كانت واجب وجب على القائمين على البلاد تحقيقه لكل جزائري عانى ويلات الجوع والفقر والجهل، إن ديمقراطية التعليم والعدالة الاجتماعية فيه لها أهمية قصوى في حياة الفرد والمجتمع، لأن التربية وثيقة الصلة مع الديمقراطية، بل أن المجتمع يحرص على إبقاء هذه العلاقة لضمان استمراره وإبقاء تقدمه وتطوره. ديمقراطية التعليم في الجزائر تأتي لتأكيد مسار عملية التعريب وتعميمها عن طريق المدرسة وبواسطة العملية التعليمية، فهي تعد أحسن مؤسسة بما توفره من فرص متساوية وعادلة أمام أعضاء المجتمع للحصول على ثقافة منسجمة في ظرف محدد، فلقد اعتبر التعليم في الجزائر تعليما ثوريا، لأنه قام بتأسيس نظام أصيل في ديمقراطيته لتحقيق أهداف هامة نظرا لتهديك الذي تعرضت له البنيات الاجتماعية في الجزائر كما سبق وأشرنا، لذا كان توطين التعليم وإتاحته بعدا ومطلبا سياسيا ووطنيا واسعا ومن مظاهر ديمقراطية التعليم في الجزائر نجد[ـ “المرجع السابق”، ص : 35. ]: -إلغاء كل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وجعل ما يميز تلميذا عن آخر هي تلك القدرات العقلية والكفاءات الخاصة. - تعميم المدارس في كل أنحاط الدولة الجزائرية حيث يتعلم ابن الصحراء ما يتعلمه ابن الشمال في نفس الوقت وبنفس المحتوى والطريقة. - العناية بالحالة الاجتماعية والاقتصادية لأبناء الشعب الفقراء منع عدم إهمال فئة ذوي الحاجات الخاصة. هذه المظاهر تجسد الاتجاه القائل –الوظيفيين- أن عملية الحراك الاجتماعي لا يمكن لها أن تتم دون فرص علمية متكافئة، إذ ليس المقبول إنسانيا أن يفتح باب مؤسسات التربية أمام بعض أبناء فئة ما لتميزهم عن فئات أخرى، وأن دور التعليم والتربية في المجتمع أمر ذو أهمية بالغة وهذا ما جعل من مسألة تكافؤ الفرص في التعليم تصبح ضرورة لدى المهتمين بالتربية. وهذا المسعى الذي دأبت من أجله الدولة الجزائرية منذ تأسيسها من خلال فرض التعليم ومجانيته. د-التوجه العلمي كهدف من أهداف النظام التربوي الجزائري: إن عملية تطوير المعارف والخبرات العلمية أصبح أمر ضروري على اعتبار أن المعرفة العلمية تراكمية وتتجدد باستمرار وقد يؤثر ذلك بصفة مباشرة على العملية التعليمية، لذلك كان من الضروري على المناهج التعليمية اللحاق بركب التقدم العلمي، وتقديم أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات إلى المتعلم من خلال سنوات دراسته، وبأقل جهد، أصبح التطور ينادي التعليم ليصبح أكثر عملية وأكثر عصرنة سواء، حيث يتوقف نجاح التربية في إحداث التغير وضبطه وتوجيهه على إدراك المربين والمدرسين بضرورة التحرر من المعرفة التقليدية الجامدة.[محمد الهادي عفيفي : “التربية والتغير الثقافي” ، ط 4 ، مكتبة انجلو المصرية ، مصر، 1975 ، ص : 88 . ] فلقد اهتمت الدولة الجزائرية بالجانب التكنولوجي في التعليم وهذا بغية إضفاء ثقافة عقلانية حديثة للتلاميذ وبالتالي مسح الثقافة التي ساهم المستعمر قبلا على نشرها أما الآن فقد زاد الاهتمام به أكثر، ذلك أن التعليم يعد المستقبل لا الحاضر، فطفل اليوم هو رجل الغد لابد من إعداده، حتى إذا بلغ رشده أصبح فعالا، وهذا يتطلب تجديدا في المناهج وتأليف الكتب وتجنيد الوسائل والطرائق حتى تنطبق الحكمة القائلة "فكر عالمي ونقد محلي" لأن المستقبل للجميع، إن توفير الوسائل التعليمية الإيضاحية يعد مظهر اهتمام بالتطور العلمي والتقني في التعليم. 4- وظائف النظام التربوي: للنظام التربوي أهمية بالغة في حياة الأمم، نظرا للمهام التي يعمل على تجسيدها ميدانيا وتتجلى هذه الأهمية فيما يلي:[ الطاهر أجغيم: “التربية والتعليم في العالم الثالث”، مجلة الباحث الاجتماعية ، العدد 2 ، جامعة منتوري، قسنطينة،الجزائر، سبتمبر 1999، ص :149.] أ-يرتبط استمرار المجتمعات من خلال المحافظة على سماتها المميزة لثقافتها المحلية وتفاعلها مع الثقافات الوافدة دون انحلال وذوبان في الآخر، ومن هنا يلعب النظام التربوي دورا بارزا في تحقيق أهداف المجتمع في النمو والاستمرار مع المحافظة على الذات، فهو يعمل على تزويد الفرد والمجتمع بالأسس الثقافية والاجتماعية التي تتيح له عملية التفاعل والتكيف، دون فقدان معالم الشخصية المحلية. ب- النظام التربوي ضروري لتنظيم الحياة الاجتماعية والمساهمة في مجابهة متطلبات الفرد والمجتمع في الاستقرار والأمن، ومحاربة المشكلات الاجتماعية في مهدها، قبل أن تستفحل، فبالتربية يمكن محاصرة الكثير من المعضلات الاجتماعية وهي في محيط المدرسة قبل أن تقفز إلى خارج المحيط المدرسي لتخر بأسس وقواعد المجتمع. جــــ- ـ تتجلى أهمية النظام التربوي في تلبية متطلبات المجتمع اقتصاديا ، فلقد شهد منتصف القرن الماضي وبداية الحالي، اهتماما متزايدة بأهمية التربية في توفير اليد العاملة المدربة والمؤهلة للقيام بالأعمال المختلفة بدقة متناهية مضافا إليها التكنولوجيا الحديثة والرقمنة، وما أنجز عنها من ضرورة أن يكون الفرد على قدر مقبول من التحصيل العلمي حتى يستطيع مسايرة التطور الحاصل في نظم المعلوماتية الحديثة، إن التربية والتعليم لم يعد ينظر إليهما كنوع من الخدمة التي تقدم للناس بمعزل عن العملية الاقتصادية، وإنما أصبح ينظر إليهما على أنهما استثمار أساسي ونشاط اقتصادي، وجهان لشيء واحد يراد بهما النهوض بمستوى حياة الفرد والمجتمع. - الإصلاحات المنظومة التربوية في الجزائر: 5-1- بعد الاستقلال: المدرسة هي القوة الفاعلة والقادرة على بناء العقول وقيادة المجتمع والسير به في الاتجاه الذي يضمن بقاءه وتطوره، وهو دور بنائي يفرض على المجتمع أن يحيطها بالرعاية الكاملة ويمدها بما يعزز قدراتها ويطور جهودها حتى لا تبقى في قطيعة عن البيئة التي أنشأتها وربما هذا هو الدور الذي كان على المدرسة في الجزائر أن تضطلع بع بعد الاستقلال والواقع أن المدرسة التي ورثناها كانت مدرسة غريبة عن مجتمعنا في توجهاتها ولغتنا وأهدافها، ومع ذلك تم تبنيها مع الإدراك بأنها لا تنسجم في كثير من جوانبها مع الحقائق الوطنية، لأنها أسست في الأصل لأهداف تخدم الغاية الاستعمارية، فهي مدرسة تعيش في ظل الدولة الجزائرية تحيى معنا وتحت إشرافنا، ولكن روحها ظلت مرتبطة بالظروف التي أنشأتها ومتأثرة بالنمط الثقافي التي عاشت في كنفه أكثر من قرن والخطاب السياسي لم يخف هذه الحقيقة، ولم يتجاهلها بل كثيرا ما صرح بها، واعتبرها وضعية غير طبيعية، ودعا إلى تصحيحها ولكن هذه الدعوة لم تترجم إلى أفعال وإجراءات وقرارات عملية، مما أبقى المسعى الإصلاحي يتأرجح بين القول والفعل، بين القرار السياسي والإجراء الإداري، بين النوايا والممارسات والحقيقة، إن المدرسة الجزائرية لم تولد مع بداية الاستقلال وإنما الذي ولد هو الإطار الفكري والمذهبي الذي بقي فكرة مدونة في الوثائق وشعار يردد في الخطب والمناسبات[- إصلاح المنظومة التربوية: أسباب الفشل، موقع الجزائري قرية www.algerieeducation.dz]. لقد اتجه المسئولون على المدرسة آنذاك إلى الاحتفاظ بالوضع مع إحداث التغيرات الممكنة، والتي من شأنها أن تمهد لإقامة نظام تربوي وطني، يعوض النظام الموروث أو يعدله، وطبقا لهذا التفكير فإنه يمكن أن نقر بأن عملية الإصلاح مرت على ثلاث مراحل[- منشورات مخبر المساءلة التربوية في ظل التحديات الراهنة، “مرجع سابق”، ص ص : 54-55.]: أ-مرحلة التبني والتوجيه: أي تبني المدرسة الموروثة يشكل الخطوة الأولى التي أصبح نظام التعليم فيها تابعا لدولة الجزائرية، ومن بين الإجراءات التي تم اتخذاها في هذه المرحلة: -ترسيم تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في مناهج التعليم. - توجيه عناية لدروس التاريخ وتصحيح مسار تدريسه. - تكثيف الجهود الرامية إلى توفير إطارات التعليم والتي كان توفيرها يشكل عبئا ثقيلا على الدولة. - إيصال العمل بالقوانين والإجراءات المدرسية التي تتعارض مع سيادة الدولة ونلاحظ أن المدرسة في هذه المرحلة لم تعرف تغييرا في البرامج ولا في التنظيم. ب- مرحلة الإصلاح الجزئي والتصحيح الضروري: لقد تواصلت عمليات التصحيح والإصلاح ولكن بأسلوب يفتقر إلى الدقة في التخطيط والوضوح في الرؤية مما أبقى الاتجاه غامضا والغاية غير واضحة، فالاحتفاظ بمكونات المدرسة الموروثة وإدخال عناصر جديدة في صلب نظامها التعليمي جعل المؤسسة التعليمية الواحدة تتعامل مع نظامين متوازيين نظام تميزه خصائص المدرسة الفرنسية، ونظام يرمز إلى خصائص المدرسة الوطنية، وقد حققت عمليات الإصلاح التي تمت في هذه المرحلة النتائج التالية: -تعريب الصفوف الأربعة الأولى من التعليم تعريبا شاملا. - تعريب ثلث أقسام المواد العلمية. - تعريب المواد الاجتماعية: التاريخ والجغرافيا، الفلسفة، في مختلف المراحل. - ضبط التصور القانوني الكامل لبناء نظام تربوي وطني. ج- مرحلة التغيير الشامل وبناء النظام التربوي الوطني: إن أي تغير شامل أو إصلاح عميق في النظام التربوي لابد أن يكون مستخلصا من الظروف والتجارب التي مر بها المجتمع الجزائري، ويعبر عن توجهات وتطلعات أجياله، مؤسسات وفق الاتجاه الفكري والعقائدي الذي تسير عليه البلاد سياسيا واجتماعيا، ابتدأت بصدور أمر 76-35 المؤرخ في 16 أفريل 1976 بتنظيم التربية والتكوين بالجزائر، وأدخلت إصلاحات على النظام لتتماشى والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، كما كرس الطابع الإلزامي ومجانية التعليم وتأمينه لمدة 09 سنوات، وقد شرع في تصميم وتطبيق أحكام هذا الأمر ابتداء من السنة الدراسية 1980-1981 (المدرسة الأساسية). ومن أهم ما يميز هذا النظام التربوي[- “المرجع السابق”، ص ص :55-56.]: -إقرار نظام التعليم الأساسي الذي يعوض النظام الابتدائي والمتوسط، ويمدد المرحلة الإلزامية إلى 09 سنوات ويدمج في مناهجه بين العمل الفكري والعمل اليدوي ويربط المدرسة بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي. - جعل اللغة العربي لغة تعليم جميع المواد في جميع المراحل، لتتحقق الغاية الأساسية من تجديد النظام وهي توحيد التعليم وتأصيله وربطه بقيم المجتمع. - التركيز على التربية العلمية والتكنولوجية التي تتيح للمتعلمين توظيف المعارف النظرية في مجالات العمل التطبيقي. - تنظيم تعليم اللغات الأجنبية بصفتها روافد مساعدة على التفتح والاستفادة من تجارب الغير. - تجديد نظام التعليم الثانوي وتنويع المسارات الدراسية التي تنظم الاختصاصات على أساس مع تطوير أساليب التوجيه وطرائق التعامل مع المعرفة. ويرى عبد القادر فضيل أن ثم تكليف المدرسة ما لا تطيق حين حدد لها عديدا من المهام من خلال النصوص المنظمة لنظام التربية والتعليم، وأثقلناها بالكثير من المسؤوليات، ولكننا لم نمكنها مما يعينها على تأدية هذه المهام يكسبها القدرة على تحقيق ما هو منوط بها، فالمدرسة التي أنشأت بمقتضى نصوص الإصلاح الصادرة في 16/04/1976 حددت لها رسالة جديدة وأهداف متطورة، تنسجم مع اختبارات المجتمع ومع حقائق العصر ولكن الوضع القائم في الميدان لم يتغير كما كان عليه، ومن ثمة فمطالبتها بالتغيير والتجديد والسير المنتظم الذي رسم لها، والسعي لتحقيق الأهداف المسطرة من غير أن نمكنها من وسائل النهوض بذلك شيئا يفوق قدرتها.[ عبد القادر فضيل، “مرجع سابق”، ص : 56.] ثانيا- الاصطلاحات التربوية الاستعجالية بعد الاستقلال: استلمت الجزائر المستقلة في سبتمبر 1962 نظاما تعليميا مهيكلا، حسب الأهداف والغايات التي رسمها النظام الاستعماري الفرنسي، وكانت ظروف هذا الاستلام صعبة للغاية حيث وجدت الجزائر نفسها أمام شبح الأمية، الفقر، وانتشار الأمراض المختلفة، وذلك لتضمن حق شعبها في التربية والتعليم، وتجسد طموحه في التنمية وأن تبرز مكونات هويته وبعده الثقافي الوطني[ فرج الله صورية و نورالدين زمام: "تقويم مردود إصلاح المنظومة التربوية في مرحلة التعليم الثانوي"، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، العدد 19، الجزائر ،جوان 2015، ص : 240]. "وقد أكدت النصوص والمواثيق لمنظومة التربية والتكوين اختيارات البلاد منذ البداية والمتمثلة في البعد الوطني، ديمقراطية التعليم، الخيار العلمي والتكنولوجي، ونصبت سنة 1962 لجنة لإصلاح التعليم عهد إليها وضع خطة تعليمية، و حسب الدستور الجزائري الصادر سنة 1963 والمواثيق والنصوص الأساسية المرجعية التي تستمد منها السياسة التعليمية اعتبرت التعليم العنصر الأساسي لأي تغيير اقتصادي واجتماعي و تعتبر هذه الفترة انتقالية حيث كان لا بد لضمان انطلاق المدرسة من الاقتصار على إدخال تحويرات انتقالية تدريجية تمهيدا لتأسيس نظام تربوي يساير التوجهات التنموية الكبرى و من أولويات هذه الفترة : تعميم التعليم بإقامة المنشآت التعليمية ، و توسيعها إلى المناطق النائية جزأرة إطارات التعليم, تكييف مضامين التعليم الموروثة عن النظام التعليمي الفرنسي التعريب التدريجي للتعليم . وحسب نشرت اللجنة تقريرها سنة 1964 بان النظام التربوي لم يعرف تغييرا إلا جملة من العمليات الإجرائية منها، التوظيف المباشر للممرنين والمساعدين، تأليف الكتب المدرسية، توفير الوثائق التربوية، بناء المرافق التعليمية، اللجوء إلى عقود تعاون مع البلدان الشقيقة والصديقة"[ ] 3- أمريّة 16 أفريل 1976: يُعتبر كأوّل خطاب تربوي رسمي جزائري يرسم الملامح الكُبرى لمنظومة تربويّة جزائريّة خاصة، في فترة جديدة بدأت تُرسم البصمة الجزائريّة في منظومة التربية والتعليم، ابتدأت هذه الفترة بصدور الأمر رقم 76-35 المؤرخ في 16 أفريل سنة 1976 المتضمن تنظيم التربية و التكوين في الجزائر، والذي أدخل إصلاحات عميقة وجذرية على نظام التعليم في الاتجاه الذي يكون فيه أكثر تماشيا مع التحولات العميقة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمُتّخذة آنذاك في عهد الرئيس هواري بومدين. و قد كرس الأمر السابق الطابع الإلزامي للتعليم الأساسي ومجانيته و تأمينه لمدة 9 سنوات، وأرسى الاختيارات و التوجهات الأساسية للتربية الوطنية من حيث اعتبارها: - منظومة وطنية أصيلة بمضامينها و إطاراتها و برامجها. - ديمقراطية في إتاحتها فرصا متكاملة لجميع الأطفال الجزائريين. - متفتحة على العلوم و التكنولوجية. و قد تضمن الأمر السابق : أهدافا وطنية : وتتمثل في تنمية شخصية الأطفال و المواطنين وإعدادهم للعمل و الحياة وإكسابهم المعارف العامة العلمية و التكنولوجية التي تمكنهم من الاستجابة للتطلعات الشعبية التواقة إلى العدالة و التقدم وحق المواطن الجزائري في التربية و التكوين. أهدافا دولية : تتجسد في منـح التربيـة التي تساعـد على التفاهـم و التعـاون بين الشعوب و صيانة السلام في العالم على أساس احـترام سيادة الأمم و تلقـين مبدأ العدالـة والمساواة بين المواطنين و الشعوب، وإعدادهم لمكافحة كل شكل من أشكال التفرقة والتمييز، و تنمية تربية تتجاوب مع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية . إذا ما تصفحنا أمرية 16 أفريل 1976 فإننا دون شك سنقف على أهم المبادئ التي تشكل النظام التربوي الجزائري كما تحدده جملة من النصوص من أوامر ومراسيم شتى ومن خلال ذلك نجد أن هـذه النصوص تشكل نظاما تربويا مؤسسا على المبادئ التالية[ فرج الله صورية و نورالدين زمام : “مرجع سابق”، ص : 241.] : تنمية شخصية الأطفال والمواطنين وإعدادهم للعمل والحياة . منح المعارف العامة والتقنية والتكنولوجيا 3 .ـ الاستجابة لمطامح الأمة في العدالة والتقدم . تنشئة الأجيال على حب الوطن والتضحية . ومن هنا كان النظام التربوي يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف : الحق في التربية والتكوين وهو حق معترف به لكل جزائري . إلزامية التعليم بالنسبة لجميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والسادسة عشر مكتملة . ضمان الدولة لمبدأ المساواة في شروط الالتحاق التي تلي المرحلة الأساسية مجانية التعليم في جميع المستويات، وفي جميع أنواع المؤسسات التعليمية . جعل اللغة العربية هي لغة التعليم في جميع مستويات التربية والتكوين، بالنسبة لجميع المواد كما أنها تفسح المجال للأسرة الجزائرية للمساهمة في عملية التربية التي تمارسها المدرسة إلى جانب كون التربية والتكوين مـن اختصـاص الدولة الجزائرية وحدها ووحدها فقط دون فتح المجال لإنشاء مؤسسات موازية يمتلكها ويسيرها القطاع الخاص ما عدا فيما يتعلق بالحضانة فهو مفتوح للقطاع العمومي تحت رعاية وزارة التربية الوطنية . وصار التعليم بموجب هذا الأمر مهيكلا حسب المراحل التالية : - تعليم تحضيري غير إجباري: هو تعليم وتربية موجهان للأطفال الذين لم يبلغوا السن القانونيّة الإلزامية للمدرسة، يُراد من هذه المرحلة تكوين وتهيئة الطفل من كل الجوانب النفسيّة والاجتماعية خاصة لتقبّل المحيط المدرسي الجديد وسلطة المدرسة والمعلم والانضباط في القسم وغيرها من السلوكات التي تُعتبر ذات أهميّة قصوى مقابل التحصل العلمي، ونصّت عليه المواد 19، 20، 21، 22، 23 من هذه الأمريّة. - تعليم أساسي إلزامي و مجاني لمدة 9 سنوات: - تعليم ثانوي عام، - تعليم ثانوي تقني. 4- جزأرة المنظومة التربوية الجزائرية: 5- السياسة التربويّة في الجزائر بعد العشريّة السوداء: 6- الإصلاح ومقاربات التربية والتعليم: أ: مفهوم الإصلاح التربوي: الإصلاح التربوي بأنه "تلك الجهود المبذولة والقائمة على الدراسة العلمية المنهجية لمختلف مشكلات المنظومة التربوية، في إطارها الكلي أو الجزئي قصد تجاوز سلبياتها وتدعيمها بحلول جديدة بغرض تكييفها مع مختلف التغيرات الحاصلة على الساحة الداخلية والعالمية في مختلف المجالات سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو تكنولوجية... دون الخروج عن الخصائص الحضارية للمجتمع الذي يتبنّاه، وهو في كل الحالات يتضمن تغييرا هادفا مدروسا لواقع المنظومة التربوية، من أجل نقلها من وضع الإشكال المعبر عنه بالخلل أو الأزمة إلى وضع الحلّ الذي يحمل الخلفيات المرجعية والأدوات التقنية لتجاوز هذا الإشكال، وهو في كل هذا ينسجم تمام الانسجام مع بقية العناصر المشكلة للتنمية الاجتماعية الشاملة، رغم أنه أهم هذه العناصر لأن هدفه هو الإنسان صانع التنمية"[ لخضر لكحل :”الإصلاح التربوي في ظل العولمة”، مجلة علم التربية -البرنامج الاستعجالي أو إصلاح الإصلاح في منظومة التربية والتكوين، ع19،مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء المغرب، 2010 ،ص :198 .] ويعرفه حسن البيلاوي بأنه:"ذلك التغيير الشامل في بنية النظام التعليمي للتعرف على المستوى الكبير فهو تلـك التعديلات الشاملة الأساسية في السياسة التعليمية التي تؤدي إلى التغيرات في المستـوى ولفـرص التعليميـة والبنيـة الاجتماعية في نظام التعليم القومي في بلد ما"[ حمدي علي أحمد :”مقدمة في علم اجتماع التربية” ،دار المعرفة الجامعية ،مصر، 1997،ص ص : 245-246] يعرفه علماء اجتماع التربية "بأنه يتضمن عمليات تغيير اقتصادية وسياسية ذات تأثير على إعادة توزيع مصادر القوة والثروة في المجتمع"[ عبد الله بن عبد العزيز السنبل ،التربية في الوطن العربي على مشارف القرن الحادي والعشرين، المكتب الجامعي الحديث الاسكندرية ،2002،ص 202.] 1 )القوة والثروة في المجتمع. يعرفه علماء اجتماع التربية بأنه يتضمن عمليات تغيير اقتصادية وسياسية ذات تأثير على إعادة توزيع مصادر القوة والثروة في المجتمع[ عبدالله، بن عبد العزيز السنبل “المرجع السابق “ ص :202.] 7- اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية: في يوم 13 ماي 2000 تمّ تنصيب اللّجنة الوطنيّة لإصلاح المنظومة التربويّة، هذا الإصلاح الذي لاقى الدّعم الرسمي من كل القائمين على رأس هذا القطاع الحساس وعلى رأسهم رئيس الجمهوريّة آنذاك مُعبرا عن حتميّة الإصلاح في الكثير من خطاباته قائلا على سبيل المثال بمناسبة تنصيب اللّجنة الوطنيّة لإصلاح المنظومة التربويّة "إنّ الإصلاح الذي نشرع فيه يتمثّل في عمل طويل النفس، فهو كعمليّة بذر في أرض خصبة يقوم بها الأجداد للأجيال، إنها عمليّة متواصلة وجُهد دائم لمواكبة التطور المستمر لمجتمعنا وللعالم من حولنا"، وقال في مؤتمر وزراء التربية للإتحاد الإفريقي "الدول الإفريقيّة قد عاشت من ويلات الاستعمار بمختلف أشكاله مما أنجر عنه تأخّر فادح في مجال التنمية ومن ثمّ يجب إيلاء التربيّة والتكوين اهتماما خاصا كونها تُشكّل عاملا للتّحرّر والرُقي"، "فالتربية والتكوين يشكّلان هاجسا مركزيا وانشغالا كبيرا للقارة وهي مطالبة برفع التّحدي". هذه الإصلاحات التي فرضتها تحديّات داخلية وخارجية وتوجهات عالميّة للتربية وضرورة إصلاح المدرسة الجزائرية، بعد عمليات تشخيص ودراسة لحالة المنظومة، مدخلاتها ومخرجاتها وعلاقتها بالمحيط والأنساق المجتمعيّة الأخرى منها الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة، وخلصت إلى جملة من الإجراءات والإصلاحات، ورفع تحديات داخلية وخارجيّة. فالتحديات الداخلية: يمكن تلخيصها فيما يلي:[ محمد، غانم : "الفلسفة و المدرسة : قراءة في مقترحات اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية"، مؤلفات مركز كراسك، 2004، ص ص : 96-97.] - إرجاع مهام المدرسة إلى وظائفها الطبيعية: التعليم، التنشئة والتأهيل لتجنب التحزب والتسييس والأدلجة. - كسب رهان النوعية بتحقيق المعايير الدولية للمؤهلات والكفاءات كحتمية للانتقال والنجاح والترقية وتحمل المسؤوليات. - كسب رهان التحكم في العلوم والتكنولوجيا التي يجب أن تطبع المحتويات والطرائق التعليمية. - كسب رهان العصرنة: يجب أن تلهم الحداثة المدرسة في تجسيد غاياتها وأهدافها. أما التوجهات العالمية للتربية، فيمكن إجمالها فيما يلي: - إعطاء الصدارة للمتعلم في العملية التربوية (مراعاة استعداداته ومصالحه و وثائر الإدراك لديه. - التعلم والتكوين بكيفية تسمح بتحضير المتعلمين لا لمهنة واحدة بل لقدرة التكيف مع مختلف الوضعيات، أي مواجهة المرونة التي يتسم بها سوق العمل العالمية. -تعلم مفاهيم جديدة خاصة بالإعلام والاتصال ومواد تكوينية للمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحماية البيئة. - تقتضي هذه التحولات الشاملة والعميقة إعادة النظر في دور العلوم الإنسانية والفلسفة ومكانتهما ضمن المنظومة التربوية الوطنية. تسعى العلوم الإنسانية بمفهومها الحديث إلى بناء أنماط تفكير تقوم على البحث و التحليل بهدف تنمية ملكات النقد والإبداع والتجديد لدى المتعلمين. و تضطلع إلى تحسين قدرة المتعلم على عقلنة الأعمال البشرية والتجارب الإنسانية. في هذا السياق تضطلع الفلسفة إلى تفسير قضايا الإنسان والوجود والعلوم بمنظور يخدم التقدم والرقي. II- الإصلاح التربوي في الجزائر: يعتبر الإصلاح التربوي في البلدان النامية محصلة للاستعارة الأبنية وممارسات البلدان الأكثر تقدما، والتي من خلالها يتم نشر الأفكار والأشكال الاجتماعية لهذه الدول، وهو ما ينتج ضغوطا تترجم في أوقات محددة إلى حركات الصلاح التربوي، وعليه السياسات التعليمية وما ينتج عنها من إجراءات وممارسات وجهود مبذولة لإصلاح التربوي مشروطة لحد كبير بالنظام العالمي، حيث يجب النظر إلى بناء أنظمة التعليم، وإصلاحها في الدول النامية في ارتباطها بالعلاقات الاجتماعية للهيمنة والخضوع على تميز نظام الرأسمالي العالمي ،فالإصلاحات التي يتم تنفيذها لا تتطلب دعم الصفوة الاقتصادية والسياسية بل يلزمها مؤازرة جماعات قوية من خارج البلاد وهو ما يجسد حالة التبعية، ولكل إصلاح أركان وشروط واليات يعتمد عليها ويستند إليها. 1- أركان الإصلاح التربوي. يقترح محمد منير مرسي ثلاثة أركان لابد من توافرها لقيام العملية الإصلاحية وهي على التوالي[- محمد منير مرسي: “الإصلاح والتجديد التربوي في العصر الحديث”، عالم الكتاب، القاهرة،مصر ، 1996، ص :47.]: 1-1- المنطلقات: وتتمثل في المبادئ والقيم والأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع بالإضافة إلى المعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو بمعنى آخر كل ما له علاقة بالمجتمع ويشكل خصوصية يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لتفادي اختلالات في المخرجات التربوية. 1-2- الأهداف: تتمثل في ملامح منظومة التربية على المدى القريب والمتوسط والبعيد، ومن هنا لابد من ربط الأهداف بالمنطلقات، تشتق الأهداف بالأساس من المنطلقات وهذا في مستوى الغايات والأهداف العامة، والتي غالبا ما تتميز بنوع الشمولية بالنظر إلى طابعها الفلسفي أو السياسي في حين أن الأهداف تكون مرتبطة أكثر بالنواحي المعرفية. 1-3- الوسائل: بعد تحديد الأهداف لابد من توفير الوسائل الكفيلة لتحقيقها وتتمثل هذه الوسائل في المادية، والوسائل البشرية، والهياكل القاعدية. 2- شروط الإصلاح التربوي. لضمان سلامة وصحة عملية الإصلاح لابد من توافر مجموعة من الشروط وهي[- عابد أحمد الخوالدة: “إدارة التجديد والإصلاح”، دار العالم للثقافة والنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2007، ص :31.]: -لابد للعملية الإصلاحية من منهج تجدد على ضوئه مشكلاتها ومفاهيمها وأبعادها ومختلف عواملها، فالمنهج يضع الأمور مواضعها، فلا تطغى الوسيلة على الغاية، ولا البداية على النهاية، ولا تسبق التحسينات الضروريات لذا فالتحليل المنهجي للأغراض والمرامي التربوية لا يكون إلا نتيجة للتطور المنهجي لمعطيات خاصة بالإصلاح. -لابد من تحديد الخطة الإصلاحية في ضوء المعطيات التاريخية فالتاريخ هو أهم وسيلة لنقل مكتسبات الأمة، إن التصور الواضح للتراث التاريخي يعطي رؤية واضحة وصحيحة للحقائق دون تزييف مما يجعل العملية الإصلاحية على اتصال بثقافة الأمة وتراثها. - ينبغي أن تستند العملية الإصلاحية إلى رؤية مسبقة لإرادة الأمة لأن إرادة الأمة أساسية في مرحلة تبنيها لأي أفكار، ولأنه دون هذا الشرط تصبح عملية الإصلاح التربوي تعسفا واضطهادا، إذ من أسوء الأخطاء التي تقع فيها الشعوب وتؤدي إلى فشل أنظمتها التربوية هي أن تفرض البدائل الإصلاحية على الأمة فرضا دون مراعاة لمتطلباتها التربوية. مما سبق ذكره يتبين وبشكل جلي أهمية الربط والتكامل بين الإصلاح التربوية في بعده القطاعي وما بين الإصلاح الاجتماعي في كافة أبعاده ومجالاته الشمولية، إن الإصلاح الذي ينبغي إقامته في النظام التربوي يجب ألا ينفصل في تصور المشرفين عليه عن باقي المسارات الإصلاحية في النظم الأخرى. 3- مراحل الإصلاح التربوي: كي يحقق الإصلاح غاياته وأهدافه لابد أن يتبع مراحل منهجية وإجرائية معينة تشمل كل مرحلة مجموعة من الإجراءات والخصائص المحددة، ويترتب عن أي تقصير أو نقص في أي مرحلة من هذه المراحل عراقيل من شأنها أن تؤثر على السير الطبيعي للعملية الإصلاحية وتتمثل هذه المراحل بشكل عام في المراحل التالية: 3-1- مرحلة التخطيط: وهي مرحلة تتضمن التوفيق بين المطالب الدافعة لعملية الإصلاح التربوي وبين الإمكانيات المتاحة في زمن مناسب ومحدد لتفعيل هذا الإصلاح، كما يمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة الإعداد حيث يتم فيها اختيار الأفراد الفنيين والمؤهلين للقيام بالإصلاح كما ينبغي أثناء القيام بها مراعاة أمور كثيرة هامة: -تحديد المعايير التي يتم على أساسها تعيين هيئات أو لجان الإصلاح كالمؤهل العلمي، التخصص، الأمانة العلمية، عدم التطرف والانحياز الإيديولوجي لنزعة معينة، فلا يمكن إيكال مهمة الإصلاح إلى نخبة بعيدة عن آمال وآراء الأمة وإرادتها التربوية، في مثل هذه الأمور العظيمة والمهام الخطيرة التي يتوقف عليها مصير أمة بأكملها، وترتبط به مصلحة الأجيال المتعاقبة. - أيضا لابد من مراعاة الجوانب الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة. - مراعاة الشروط البيداغوجية الخاصة بكل طور وبكل مرحلة. ومن متطلبات هذه المرحلة الوقوف على تقدير علمي وموضوعي للنظام التربوي السابق من كل الجوانب الإيجابية والسلبية لضمان التطور السليم، فبدونها لا يستطيع القائمون على الإصلاح معرفة ما يجب تغييره بشكل تام وما يجب تعديله وما يجب الإبقاء عليه.[ “المرجع السابق”، ص : 84.] 3-2- مرحلة التنفيذ: بواسطة مجموعة من الأفراد والآليات التي تم توفيرها في المرحلة السابقة، يتم تبني الخطة الإصلاحية التي تضفي على الإصلاح التربوي صفة الوعي والعمق الجدي والأصالة والفعالية والواقعية، ويتم تنفيذ الإصلاح إطار منهجي وفق مراحل زمنية متتابعة ومتكاملة،وهنا يتم وضع جميع التطبيقات التربوية موضع إعادة النظر بإخضاعها للملاحظة والنقد والدراسة أثناء التنفيذ. وعليه هناك مراحل إجرائية تتعلق بتنفيذ الإصلاح وتتمثل فيما يلي:[ “المرجع السابق”، ص: 86.] -البحث عن أثر المحيط العام على المدرسة. - البحث في المشاكل الاجتماعية للتلاميذ. - البحث في مدى توفر المربين ومدى استعدادهم للعمل. - البحث في مدى كفاءة المربين وطرق التدريس. - البحث في مدى سلامة المناهج الدراسة. وتجدر الإشارة إلى أن عرض الخطة الإصلاحية والبداية في تنفيذها بشكل تدريجي يمليه واقع النظام التربوي، حيث لا يمكن إلغاء نظام وتبني آخر في فترة وجيزة، كما أن هذا التدرج من جهة ثانية يساعد على معرفة سلبيات وعراقيل تنفيذ الإصلاح وبالتالي استدراكها في الوقت المناسب وهو ما يوفر جهدا وإنفاقا معتبرين. 3-3- مرحلة المتابعة والتقويم: تسند مهام هذه المرحلة إلى أفراد أو مؤسسات مختصة تكون على إحاطة كاملة بأبعاد الإصلاح ابتداء من التخطيط ووصولا إلى التنفيذ، وعليه تعد مرحلة مهمة جدا يجب أن تساير في نفس المستوى المراحل السابقة، ويتم خلال هذه المرحلة تقييم المفاهيم التربوية والمناهج وطرق التدريس، البرامج، الهياكل وحتى السياسة التربوية ككل.[ عايد أحمد الخوالدة: “مرجع سابق”، ص : 88.] تمثل هذه المرحلة نوعا من الضمانة بأن لا يتحول الإصلاح لمجرد إجراءات شكلية أو مجرد تغييرات في الأسماء والمفاهيم دون أن ينعكس ذلك على عناصر العملية التربوية، وهم المتعلمون والمعلمون والمناهج التعليمية، أو على جوهر العملية التربوية والغاية منها هي تحقيق التنمية البشرية اللازمة لتطور المجتمع والدولة. 4- آليات الإصلاح التربوي: إن عملية إصلاح النظام التربوي الهدف منها الابتكار والتطوير والتجديد وعليه لكل إصلاح آليات يتبعها منها: [- www.almmalem.netمجلة إلكترونية العدد 46 ص 04، بتاريخ 29/02/2016، سا 21:15.] 4-1- تطوير المناهج الدراسية: تعتبر المناهج الدراسية ترجمة وانعكاسا للفلسفة التربوية المتبناة وما ينبثق عنها من أهداف عامة تتبناها الدولة وفق إيديولوجيتها وتوجهاتها، وتطوير المناهج التربوية مصطلح شائع بين جميع التربويين ويعني أن تستبدل مناهج سائدة بمناهج أخرى جديدة. 4-2- استناد عملية التطوير إلى فلسفة تربوية واضحة المعالم: أي تطوير يطرأ على المناهج يدور في إطار هذه الفلسفة التي حددت مفهوم الطبيعة الإنسانية على أن عقل الإنسان مكون من مجموعة من الملكات وكل ملكة تحتاج إلى تدريب ويتم عن طريق المواد المختلفة، إذن فالفلسفة التربوية يجب أن تكون واضحة ومحددة حتى تحدد وجهة النظر السليمة حول الطبيعة الإنسانية، وبالتالي لا يتعرض المنهاج إلى الخلط والتناقض. 4-3- استناد التطوير إلى دراسة عملية للمتعلم: لأن التربية عملية تهدف إلى مساعدة التلاميذ على النمو الشامل من خلال المنهج، ولهذا فإن مراعاة خصائص نمو التلاميذ في كل مرحلة عمرية ولتجاوز المشاكل المتعلقة بهم عند تخطيط وتطوير المنهاج عن طريق تتبع الدراسات والأبحاث النفسية والتربوية للاستفادة من نتائجها. 4-4- التطوير ودراسة المجتمع: تشتق المدرسة فلسفتها من فلسفة المجتمع، وعليه فإن على المدرسة أن تتبنى مناهجها بحيث تراعي فلسفة المجتمع ومشكلاته وتطلعاته. 4-5- أن يكون التطوير عملية شاملة: بحيث يتضمن التطوير في الأهداف والمحتوى والطرق والوسائل التعليمية وأوجه النشاط والتقويم أي يشمل كل عناصر العملية التعليمية. 4-6- أن يكون التطوير عملية تعاونية: ينبغي أن يشترك فيها خبراء المناهج المختصون في المادة والمدرسون والتلاميذ وأولياء الأمور ولعل أبرز الاتجاهات العالمية المعاصرة في تطوير المناهج اشتراك المعلمين والتلاميذ. 4-7- أن يكون التطوير عملية مستمرة: يجب أن تكون مستمرة على فترات متباعدة، وأن تستخدم فيها الأساليب العلمية والمتنوعة حتى تنهض بالمناهج لتساير ما يحدث في المجتمع من تحديات. 4-8- تحسين أداء المعلم: باعتبار المعلم العنصر الأساسي في أي تجديد تربوي لأنه أكبر مدخلات العملية التربوية وجب النظر في تحسين أدائه وتطوير قدراته المعرفية والعملية حتى يمتلك المهارات الكافية للقيام بدوره. 5-2- الإصلاح التربوي الأخير (2000): يتزايد الإدراك مع بدء الألفية الثالثة بأن المجتمع الجزائري يمر على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات المجتمعية، خصوصا بعد ما كانت منه الجزائر في سنوات العشرية السوداء، من ويلات الإرهاب الذي دمر ويتم وشرد الكثير من الجزائريين وحاول المساس بمقومات الشخصية للمجتمع الجزائري، وجب على الدولة الخروج من كل هذه التحولات والحل الأنسب في نظرتها هي المدرسة والجيل الذي تعمل على إنشائه المدرسة. لذا كان التفكير في استحداث إصلاح جديد للنظام التربوي لمواكبة كل التطورات الجديدة والخروج من الأزمة والدمار الذي خلفه الإرهاب آنذاك، وكانت المحاور الكبرى للإصلاح الجديد: -تحسين نوعية التأطير،التحوير البيداغوجي، إعادة تنظيم المنظومة التربوية . وقد مر الإصلاح التربوي الأخير بعدة خطوات صاحبت تنفيذه وهي كالتالي[ منشورات مخبر المسألة التربوية في ظل التحديات الراهنة :” مرجع سابق”، ص : 57.]: أ-مسار تطبيق الإصلاح التربوي: -إحداث اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية الجزائرية مع حلول سنة 2001. - قرار مجلس الحكومة شهر أفريل 2002. - بداية الإصلاح الهيكلي والتربوي والبيداغوجي 2003-2004. - وثيقة وزارة التربية الوطنية تحت عنوان مخطط العمل لتنفيذ إصلاح المنظومة التربوية في أكتوبر 2003. - العمل بفكرة مشروع المؤسسة بداية السنة الدراسية 2006-2007 المنشور رقم 153 المؤرخ في 05 جوان 2006 ب- اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية: جرى في ماي 2000 تشكيل لجنة وطنية لإصلاح المنظومة التربوية، التي أوكلت لها مهمة التفكير وتقديم اقتراحات بخصوص ثلاثة مواضيع كبرى هي: تحسين نوعية التأطير بشكل عام و التأطير التربوي بشكل خاص، السبل التي ينبغي إتباعها لتطوير العمل البيداغوجي، إعادة تنظيم المنظومة التربوية الجزائرية بكاملها وقد توجت أشغال اللجنة بإصدار ملف ضخم تضمن تحليلا معمقا لتطور المنظومة التربوية الجزائرية والإنجازات التي حققتها وكذا الاختلالات التي أفرزتها وشكل هذا الملف موضوعا لعدة اجتماعات لمجلس الحكومة خلال شهري فبراير ومارس من عام 2002، وذلك قصد دراسة مختلف الاقتراحات الواردة فيه وتحديد الإجراءات التي يتطلبها تطبيقها وضبط الآجال. -مهام اللجنة: تتكفل اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية بالقيام بمجموعة من المهام التالية[ـ اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية ، التقرير العام للجنة ، 2001 ، ص : 16 .]: -التحقق في إطار تشخيص المنظومة التربوية من النتائج الإيجابية والسلبية المسجلة مع تحليل أسبابها العميقة. - تحليل التحديات الجديدة التي لابد أن تواجهها المنظومة التربوية وتحدد المتطلبات الضرورية لتكوين مواطن قادر على التفتح والمساهمة في تنمية الوطن والتكيف مع العالم ليتم تنامي تطور المعارف والتغيرات الثقافية والعلمية والتكنولوجية. - اقتراح الإجراءات الكفيلة بالسماح للناشئة الجزائرية بالاستفادة من تعليم قاعدي إلزامي مجاني وضمان التكافؤ في فرص النجاح. - التأكيد على الظروف الكفيلة وضمان النجاح لأكبر عدد من التلاميذ. - اقتراح اختيارات تساعد على حل المشاكل المتعلقة بتنظيم التعليم ما بعد الأساسي - دراسة الوسائل التي تساعد على تجديد جذري للمحتويات والمناهج البيداغوجية. - دراسة الترتيبات المناسبة قصد إدماج تعليم اللغات الأجنبية في مختلف مراحل المنظومة التربوية لتمكين التلاميذ من الوصول المباشر إلى المعارف العالمية وتسهيل الانفتاح على الثقافات. - تحديد الظروف واقتراح ما يستلزم من أجل إدماج التكنولوجيا الجديدة. - اقتراح منظومة فعالة ومستقرة لتكوين وتقييم المكونين. تتوخى اللجنة في تفكيرها الاستناد دوما إلى مرجعية قوامها المبادئ والقيم الأساسية ذات الصلة بمفاهيم المواطنة والمساواة والتسامح والسلم والديمقراطية وأخيرا اقتراح كل الحلول التي من شأنها أن تحقق التقدم. 6- التغيرات التي أدخلت في مستوى البرامج: لقد أدخلت جملة من الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ خلال السنوات الدراسية 2003/2004/2005 وهكذا يدرج الطور المسمى بالتربية التحضيرية في منطق إعادة الهيكلة الجديدة للنظام ، مع السعي إلى تعميمه على الأطفال البالغين من العمر 5 سنوات . أما طور التعليم الابتدائي فإن مدته تقلصت من 6 سنوات إلى 5 سنوات، وتتمثل هذه الإجراءات أيضا استحداث مادة تعليمية جديدة تحمل اسم " التربية العلمية التكنولوجية" حيث تدرس ابتداء من السنة الأولى ابتدائي، كما تشمل تعليم اللغة الفرنسية كلغة أجنبية أولى تدرس ابتداء من السنة الثانية ابتدائي، واعتماد الرموز العالمية في مادة الرياضيات وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى إدخال اللغة الأمازيغية في السنة الرابعة ابتدائي. أما التغييرات التي أحدثت في طور التعليم المتوسط فهي تشمل تمديد، مدة هذا الطور من ثلاث سنوات إلى 4 سنوات، وتعليم اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية ثانية ابتداء من السنة الأولى متوسط، واعتماد نظام الترميز العالمي وإدراج المصطلحات العلمية وتعويض مادة التربية التكنولوجية بمادة جديدة هـي "العلوم الفيزيائية والتكنولوجية" ونشير هنا أيضا إلى أن اللغة الأمازيغية تحتل مكانتها كلغة وطنية[ ـ وزارة التربية الوطنية، النشرة الرسمية لإصلاح المنظومة التربوية، 2003، ص: 55.] - تنصيب البرامج : نظرا إلى الاستعجال السياسي فإن عملية برمجة وتنصيب البرامج في الميدان قد شرع فيها ابتداء من شهر سبتمبر 2003، وشملت السنة أولى ابتدائي والسنة أولى متوسط بصفة آنية لتصل في نهاية المطاف إلى السنة الرابعة متوسط والسنة الخامسة ابتدائي في سبتمبر 2007، وتطرح هذه البرمجة مشكل تسيير تدفقات التلاميذ وحركة المعلمين، لأن إضافة السنة الرابعة في الطور المتوسط تتطلب مزيدا من المحلات والمؤطرين، كما أن التقاء دفعة التلاميذ المتخرجين من السنة السادسة القديمة للتعليم الأساسي والمتخرجين من السنة الخامسة الجديدة للتعليم الابتدائي سيولد دفعة مضافة العدد من التلاميذ، وهذا الوضع يطرح مشكلتين متماثلتين هما[ ـ اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية : “مرجع سابق” ،ص: 20 .] : - الحاجة إلى محلات مدرسية وإلى التأطير - الاختلاف في ملمح الدخول في السنة الأولى متوسط بين الدفعتين من التلاميذ وهذا الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات بيداغوجية نوعية لضمان تكافؤ الفرص عند نهاية الطور المتوسط، بين دفعتين من التلاميذ لم يتبعوا نفس المسلك ولا نفس البرامج فإذا كان التفكير متواصلا من الناحية البيداغوجية فيما يخص الحاجة إلى المحلات حيث برمج إنجاز أكثر من 900 متوسطة في سنة 2009، فإن التأطير يبدو خاليا من المشاكل بتخفيض مدة الدراسة إلى خمس سنوات في الابتدائي (يترتب عن ذلك فائض في معلمي الابتدائي)، غير أن هناك عمليات المحاكاة التي ستجري بغية تحضير المواسم الدراسية المقبلة برصانة لأن هذه الفترة صعبة ويليق أن تحضّر بدقة كبيرة . إذن فإن تحسين ملائمة ونوعية التدريبات هي هدف الإصلاح التربوي الجديد ، وهذه التغييرات البيداغوجية تمثل رؤية جديدة للتربية وهي رؤية محددة بالمقاربة بالكفاءات والتي تضع المتعلم في مركز العملية التدريبية والتعليمية. ومن خلال ما سبق ذكره يمكن القول بأنه هناك ثلاث مستويات أساسية للإصلاح الجديد : * تجديد البرامج الدراسية و الوسائل والأدوات الأخرى للتدريب . * كفاءة وحركية الأساتذة من خلال التكوين . * إعادة تنظيم مدة وشعب التعليم والتدريب . ورد في تقرير القانون التوجيهي الجديد للتربية أن هذا الإصلاح يتميز عن الإصلاحات السابقة بما يلي[- وزارة التربية الوطنية، النشرة الرسمية لإصلاح المنظومة التربوية، 2005، ص: 55.]: -حصر مجاله في قطاع التربية (التحضيرية، التعليم القاعدي، التعليم الثانوي). - تكييف النظام التربوي على التحولات المنجزة في اقتصاد السوق في مجتمع ديمقراطي. - الإمكانية المتاحة للأشخاص الطبيعيين الذين يخضعون للقانون الخاصة لفتح مؤسسات خاصة للتربية والتعليم في إطار شروط تحددها الدولة. - إدراج تعليم الأمازيغية لغة وطنية في نشاطات الإيقاظ وتعمل الدولة على ترقيتها وتطويرها في كل تنوعاتها اللغوية المستعملة مع التراب الوطني. - إدراج تعليم المعلوماتية في مجمل مؤسسات التعليم والتكوين. - الطابع الإلزامي لتعليم الرياضة منذ الدخول إلى المدرسة وحتى الخروج من التعليم الثانوي. - صياغة حقوق وواجبات التلاميذ. - تنظيم التعليم الأساسي الإجباري في التسع سنوات على شكل تعليم ابتدائي مدته 05 سنوات متبوعة بتعليم متوسط مدته 04 سنوات. - تنظيم مرحلة ما بعد التعليم الإلزامي كالتالي: *مسلك أكاديمي يشمل شعب التعليم الثانوي العام والتكنولوجي. * مسلك مهني يجمع التخصصات التكوين والتعليم المهنيين. -إلغاء احتكار الدولة للكتاب المدرسي وإقامة نظام اعتماد الكتاب المدرسي. - انتشار مرصد للتربية والتكوين. - التكفل بالطفولة ما قبل التمدرس من أجل تعميم تدريجي للتربية التحضيرية ابتداء من سنة 2008. بالتوفيق!
- Enseignant: tayeb BOULANOUAR